وقال تعالى في حق الكفار: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾[البقرة/ ١٧]، فسلب العقل عن الكفار، إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان، وسلب الرجوع عن المنافقين؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان.
فصل
ثم ضرب لهم مثلًا آخر مائيًّا فقال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾[البقرة/ ١٩] فشبَّه نصيبهم مما بعث الله تعالى به رسوله ﷺ من النور والحياة بنصيب١ المستوقد النار، التي٢ طَفِئتْ عنه أحوج ما كان إليها، وذهب نوره، وبقي في الظلمات حائرًا تائهًا لا يهتدي سبيلًا ولا يعرف طريقًا؛ وبنصيب أصحاب الصَّيِّب: وهو المطر الذي يصوب، أي ينزل من علوٍّ إلى سُفلٍ، فشَبَّه الهُدى الذي هدى به عباده بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة [ظ/ق ٨ أ] الأرض بالمطر، ونصيبَ المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيّب٣
(١) في (ظ): «بصيِّب» وهو خطأ.
(٢) في (أ، ت، ظ): «الذي».
(٣) في (ظ): «بالنصيب».
من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب. وأن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من بردٍ شديد، وتعطلِ١ مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته؛ ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام.
وهكذا شأن كل قاصر النظر ضعيف العقل لا يجاوز نظرهُ الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل٢ محبوب.
وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحَّت بصيرته، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من [ب/ق ٩ ب] التعب٣ والمشاق والتعرض لِتَلاف المهجة، والجراحات الشديدة، وملامة اللوام، ومعاداة من يخاف معاداته= لم يقْدِم عليه؛ لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة، والغايات التي إليها تسابق٤ المتسابقون، وفيها تنافس المتنافسون.