اجتماع الجيوش

وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام فلم يعلم١ من سفره ذلك إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد، وفراق المألوفات، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر ذلك السفر ومآله وعاقبته= فإنه لا يخرج إليه ولا يعزم عليه.

وحال هؤلاء حال ضعيف البصيرة والإيمان، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد والزواجر والنواهي والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات

ـ والفطام على الصبي أصعب شيء وأشقه - والناس كلهم صبيان العقول إلا مَن بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء، وأدرك الحق علمًا وعملًا ومعرفة، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيِّب، وما فيه من الرعد والبرق والصواعق، ويعلم أنه حياة الوجود.

وقال٢ الزمخشري: «لقائل أن يقول: شبَّه دين الإسلام بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شَبَهِ الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن [ظ/ق ٨ ب] من جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى: أو كمثل ذوي صيِّب. والمراد: كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا».

  1. (١) سقط من (ب).
  2. (٢) في (ظ): «قال».
48

قال: «والصحيح الذي عليه علماء البيان١ لا يتخطَّونه: أنَّ المثَلَين٢ جميعًا من جهة التمثيلات المتركبة دون المفرقة، لا يُتكلف لواحدٍ واحدُ شيءٍ يقدر شبهه به، وهذا٣ القول الفحل، والمذهب الجزل. بيانه: أن العرب تأخذ أشياء فرادى، معزولًا بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزةِ ذاك فتشبهها بنظائرها، كما جاء في القرآن، حيث شبَّه كيفية حاصلة من مجموع أشياء [ب/ق ١٠ أ] قد تضامَّت وتلاصقت حتى عادت شيئًا واحدًا= بأخرى مثلها، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ...﴾ [الجمعة/ ٥]، الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي الحالتين٤ عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأحمال، ولا يشعر بذلك إلا بما يمر بدفيه٥ من الكدِّ والتعب.

وكقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ...﴾ الآية [الكهف/٤٥]،

  1. (١) في (ب): «أهل البيان»، وقد انطمست في (ظ).
  2. (٢) في (الكشاف): «التمثيلين»، والمثبت من جميع النسخ.
  3. (٣) كذا في جميع النسخ، وفي (الكشاف): «وهو».
  4. (٤) في (أ، ت): «الحالين».
  5. (٥) في (ظ): «بدفتيه»، ووقع في (ت): «فيه» مكان «بدفيه».
49

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي