الفقه فيه والفهم والتعليم، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه وفهموا مراده، وبلغوه إلى الأمة، واستنبطوا أسراره وكنوزه، فهؤلاء مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم، وأخذوا من ذلك الكلأ الغذاء [ظ/ق ٩ أ] والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم.
النوع الثاني: حفظوه وضبطوه وبلَّغوا ألفاظه إلى الأُمة، فحفظوا عليهم النصوص، وليسوا من أهل الاستنباط والفقه١ في مراد الشارع [ب/ق ١٠ ب]، فهم أهل حفظٍ وضبطٍ وأداء لِمَا سمعوه، والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارةٍ لدفائنه وكنوزه، وهذا النوع الثاني بمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به.
فصل
القسم الثاني: من ردَّه ظاهرًا وباطنًا، وكفر به ولم٢ يرفع به رأسًا.
وهؤلاء أيضًا نوعان:
أحدهما: عرفه وتيقَّن صحته وأنه حق، ولكن حمله الحسد والكبر
(١) في (أ، ت، ع): «والتَّفقُّه»، والمثبت أولى.
(٢) في (أ): «ومن لم».
وحب الرياسة والمُلْك والتقدم بين قومه على جحده ودفعه بعد البصيرة واليقين.
النوع الثاني: أتباع هؤلاء الذين يقولون: هؤلاء ساداتنا وكبراؤنا، وهم أعلم منا بما يقبلونه وما يردونه، ولنا أسوة بهم، ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم، ولو كان حقًّا لكانوا هم أهله وأولى بقبوله. وهؤلاء بمنزلة الدواب والأنعام، يُساقون حيث يسوقهم راعيهم، وهم الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾[البقرة/١٦٦، ١٦٧].
(١) كذا في (ب، ت، ظ)، وهي قراءة القرَّاء العشرة غير عاصم. وفي (ع): «كبيرًا»، وهي قراءة عاصم. وفي (أ) غير منقوطة، والمثبت أولى. انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري (٢/ ٢٦١).