النجاشي أصحمة»، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ...﴾ الآية١.
والمقصود أن الأقسام الأربعة قد ذكرها الله تعالى في كتابه، وبيَّن أحكامها في الدنيا وأحكامها في٢ الآخرة، وقد تبين أن أحد الأقسام من آمن ظاهرًا وكفر باطنًا، وأنهم نوعان: رؤساؤهم وساداتهم، وأتباعهم ومقلدوهم، وعلى هذا فأصحاب المَثَل الأول النَّاري شرٌّ من أصحاب المثل الثاني المائي؛ كما يدل السياق عليه، وقد يقال - وهو أولى - إن المثلين لسائر النوع، وإنهم قد جمعوا بين مقتضى المثل الأول من الإنكار بعد الإقرار، والحصول في الظلمات بعد النور، وبين مقتضى المثل الثاني من ضعف البصيرة في القرآن، وسد الآذان عند سماعه والإعراض عنه، فإن المنافقين فيهم هذا وهذا، وقد يكون الغالب على فريق منهم المثل الأول، وعلى فريق المثل الثاني.
(١) أخرجه الطبري (٧/ ٤٩٦) (٨٣٧٦) وفيه أبو بكر الهذلي، أخباري متروك الحديث، قال الطبري: ذلك خبر في إسناده نظر.
(٢) قوله: «الدنيا وأحكامها في» سقط من (ظ).
فصل
وقد اشتمل هذان المثلان على حِكَمٍ عظيمة:
منها: أن المستضيء [ظ/ق ١١ أ] بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قِبَلِ نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، وهكذا المنافق لمَّا أقر بلسانه من غير اعتقادٍ ومحبةٍ بقلبه وتصديق جازم كان ما معه من النور كالمستعار.
ومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان؛ فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم١ به ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ، كما تطفأ النار بفراغ مادتها.
ومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور، وهي أشد الظلمتين وأشقُّهما على من كانت حظّه. وظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمُثِّلت حاله بحال المستوقد للنار٢ الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما٣ الكافر٤ فهو في الظلمات
(١) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب «تقوم».
(٢) في (أ، ت): «النار».
(٣) في (ظ): «فأما».
(٤) قوله: «الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر» سقط من (ت).