والمقصود أن الله ﵎ ضرب لعباده المَثَلين١ المائي والناري في سورة البقرة وفي سورة الرعد وفي سورة النور لِمَا تضمن المثلان من الحياة والإضاءة، فالمؤمن حي القلب مستنيره، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾[الأنعام/ ١٢٢].
وقد اختُلِف في مُفسِّر الضمير من قوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾:
(١) في (ب): «المسلمين»، وهو خطأ.
فقيل: هو الإيمان١ لكونه أقرب المذكورين.
وقيل: هو الكتاب٢ فإنه النور الذي هدى به عباده.
قال شيخنا: والصواب أنه عائد على الروح المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾[الشورى/ ٥٢] أي: جعلنا ذلك الروح نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا، فسمَّى وحيه روحًا لِمَا يحصل به من حياة القلوب والأرواح، التي هي الحياة في الحقيقة، ومن عدمها فهو ميت لا حي، والحياة [ب/ق ١٦ أ] الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أُوحي٣ إلى رسوله ﷺ، فمن لم يَحْيَ به في الدنيا فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الجزاء= أعظمهم نصيبًا من هذه الحياة بهذا الروح.
وسمَّاه روحًا في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾[غافر/ ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ
(١) قوله: «من قوله: «ولكن جعلناه نورًا»، فقيل: هو الإيمان» سقط من (ت).
(٢) قوله: «لكونه أقرب المذكورين. وقيل: هو الكتاب» سقط من (ت).