لها بالصحة= فهذا أمر لا تكاد ترى أحدًا منهم يحدث به نفسه، فَضْلًا عن أن يكون آخيته ومطلوبه، وهذا الذي لا ينجي سواه، فوارحمتا لعبدٍ شقِيَ في طلب العلم، واستفرغ فيه قواه، واستنفد فيه أوقاته وآثره على ما الناس فيه، والطريق بينه وبين رسول الله ﷺ مسدود، وقلبه عن المرسل ﷾ وتوحيده والإنابة إليه والتوكل عليه والتنعم بحبِّه والسرور بقربه مطرود ومصدود. قد طاف عمره كله على أبواب المذاهب، فلم يفز إلا بأخسِّ المطالب!١ - إن هي والله إلا فتنة أعْمَت القلوب عن مواقع رشدها، وحيَّرت العقول عن طرق قصدها. تربَّى فيه الصغير، وهرم عليه الكبير، فظنت٢ خفافيش الأبصار أنها الغاية التي تسابق إليها المتسابقون، والنهاية [ظ/ق ١٤ ب] التي تنافس فيها المتنافسون، وهيهات! أين الظلام من الضياء! وأين الثرى من كواكب٣ الجوزاء! وأين الحرور من الظلال! وأين طريقة أصحاب اليمين من طريقة أهل٤ الشمال! وأين القول الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق عن القائل المعصوم! وأين العِلْم الذي سَنَدُه محمد بن عبد الله ﷺ عن جبرائيل ﵇ عن رب العالمين
(١) في (أ، ت): «المطالب! سبحان الله» وحذفها أولى.
(٢) من (مط، ع)، وفي (أ، ب، ت، ظ): «وظنت».
(٣) في (أ، ت): «الكواكب»، وهو خطأ.
(٤) في (مط، ع): «أصحاب».
﷾ إلى١ الخرص الذي سنده شيوخ أهل٢
الضلال من الجهمية والمعتزلة وفلاسفة المشَّائين! بل أين الآراء التي أعلى درجاتها أن تكون عند الضرورة سائغة الاتِّباع إلى النصوص النبوية الواجب على كل مسلم تحكيمها والتحاكم إليها في موارد النزاع! وأين الآراء التي نَهَى قائلها عن تقليده فيها وحذَّر إلى النصوص التي فُرِض على كل عبدٍ أن يهتدي بها ويتبصَّر!
وأين الأقوال والآراء التي إذا مات أنصارها والقائمون بها فهي من جملة الأموات [ب/ق ١٧ أ] إلى النصوص التي لا تزول إلا إذا زالت الأرض والسماوات!
لقد استبان - والله - الصبح لمن له عينان ناظرتان، وتبين الرشد من الغي لمن له أُذنان واعيتان، لكن عَصَفت على القلوب أهوية البدع والشبهات والآراء المختلفات، فأطفأت مصابيحها. وتحكَّمت فيها أيدي الشهوات، فأغلقت أبواب رشدها، وأضاعت مفاتيحها. وران عليها كسبها وتقليدها لآراء الرجال فلم تجد حقائق القرآن والسنة فيها منفذًا. وتمكَّنت فيها أسقام٣ الجهل والتخبيط٤؛ فلم تنتفع معها بصالح الغذاء. واعجبا! جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا