تغني من جوع، ولم تقبل الاغتذاء بكلام الله تعالى ونص نبيِّه المرفوع. واعجبا لها! كيف اهتدت في ظُلَم الآراء إلى التمييز بين الخطأ منها١ والصواب، وعجزت عن الاهتداء بمطالع الأنوار ومشارقها من السنة والكتاب، فأقرَّتْ بالعجز عن تلقي الهدى والعلم من مشكاة السنة والقرآن، ثم تلقته من رأي فلان ورأي فلان!
فسبحان٢ الله! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس الهدى من مشكاتها من الكنوز والذخائر، وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر! قنعوا بأقوالٍ استنبطتها معاول الآراء فكرًا٣، وتقطَّعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبرًا، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا.
درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، ووقعت أعلامه بين٤ أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفلت كواكبه من آفاقهم فليسوا يبصرونها، وكسفت٥ شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا [ظ/ ق ١٥ أ] يثبتونها.
خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة، وعزلوها عن ولاية
(١) في (ب): «فيها» والمثبت أولى.
(٢) في (أ، ت، ظ): «سبحان».
(٣) ليس في (ب).
(٤) في (ظ): «من».
(٥) في (أ، ع): «وخسفت».
اليقين، وشنُّوا عليها غارات التحريف بالتأويلات الباطلات١؛ فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم المخذولة كَمِين بعد كمين. نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام، فعاملوها٢ بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام. وتلقوها من بعيد ولكن بالدفع في صدورها والأعجاز، وقالوا: ما لَكَ عندنا من عبور، وإن كان [ب/ ق ١٧ ب] لا بد فعلى سبيل المجاز! أنزلوا النصوص منزلةَ الخليفة العاجز في هذه الأزمان، له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان. حُرِموا والله الوصول بخروجهم عن منهج الوحي وتضييع الأصول، تمسَّكوا بأعجازٍ لا صدور لها فخانتهم أحرص ما كانوا عليها، وتقطعت بهم أسبابها٣ أحوج ما كانوا إليها، حتى إذا بُعثر ما في القبور، وحصِّل ما في الصدور تميز٤ لكل قوم حاصلهم الذي حَصَّلوه، وانكشفت٥ لهم حقيقة ما اعتقدوه، وقَدِموا على ما قدَّموه، ﴿... وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾[الزمر/ ٤٧]، وسقط في أيديهم عند الحصاد لما٦ عاينوا غلة