واستواء الرب تعالى على العرش بذاته أتمَّ تقرير١ فقال:
«فصل
فيما أجمعت عليه الأمة من [ب/ق ٣٣ ب] من أمور الديانة٢ من السنن التي خلافها بدعة وضلالة: أنَّ الله ﷾ اسمه له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته٣، وهو سبحانه موصوف بأن له علمًا وقدرة وإرادة ومشيئة، لم يزل بجميع صفاته وأسمائه له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، أحاط علمًا بجميع ما بدأ قبل كونه، فطر الأشياء بإرادته وقوله، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[يس/٨٢]، وأن كلامه صفة من صفاته، ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد، وأن الله ﷿ كلَّم موسى ﵊ بذاته، وأسمعه كلامه، لا كلامًا قام في غيره، وأنه يسمع ويرى، ويقبض ويبسط، وأن يديه مبسوطتان، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾[الزمر/٦٧] وأن يديه غير نعمته في ذلك، وفي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص/٧٥].
وأنه يجيء يوم القيامة - بعد أن لم يكن جائيًا - والملك صفًّا
(١) من هنا يبدأ السقط من النسخ (أ، ت، ع) إلى (ص/٢٢٤).
(٢) في (ظ): «الديانات».
(٣) في (ب): «صفاته قائم» ولعلها مقحمة.
صفًّا١؛ لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأنه يرضى عن الطائعين، ويحب التوابين، ويسخط على من كفر به ويغضب، فلا يقوم شيء لغضبه.
وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن لله سبحانه كرسيًّا، كما قال ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وكما٢ جاءت به الأحاديث: أن الله سبحانه يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء.
وقال مجاهد: «كانوا يقولون ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقةٍ ملقاةٍ في فلاةٍ من الأرض»٣.
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر/٢٢].
(٢) في (ب، ظ): «وبما».
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في السنن، التفسير رقم (٤٢٥)، والدارمي في النقض على بشر المريسي رقم (١٠١)، من طريق الأعمش عن مجاهد فذكر نحوه. والأعمش يدلس عن مجاهد، ولعل هذا مما دلسه على مجاهد والواسطة بينهما ليث بن أبي سليم فرواه سفيان الثوري وجرير وقيس ومعتمر بن سليمان كلهم عن ليث عن مجاهد بنحوه. أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٤٥٦)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في العرش (٤٥، ٥٩)، وأبو الشيخ في العظمة (٢١٨، ٢٤٩)، لكن قال قيس ومعتمر «العرش» بدل «الكرسي». ولعل هذا الاضطراب من ليث فإنه ضعيف، والأثر مداره عليه.