اجتماع الجيوش

وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] كيف استوى؟ قال مالك رحمه الله تعالى لقائله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء١.

قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه/٥] أي: علا، قال: وتقول العرب: استويت٢ فوق الدابة وفوق البيت.

وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن استوى بمعنى استولى، لأن الاستيلاء في اللغة: المغالبة، وإنه لا يغالبه أحد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أُريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزل إلينا من ربنا ﷾ إلا على [ب/ق ٣٦ ب] ذلك، وإنما يُوجَّه كلام الله تعالى إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع ذلك ما يوجب له التسليم، ولو ساغ ادِّعاء المجاز لكل مدَّعٍ ما ثبت شيء٣ من العبادات٤، وجلّ الله تعالى أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة وهو: العلو

  1. (١) تقدم تخريج قول مالك (ص/١٩٩).
  2. (٢) في (أ، ت، ع): «استوى».
  3. (٣) ليس في (ظ).
  4. (٤) كتب عليها ناسخ (ظ): «كذا».
229

والارتفاع والتمكُّن في الشيء.

ومن الحجة أيضًا في أنه الله ﷾ على العرش فوق السماوات السبع: أن الموحِّدين أجمعين إذا كربهم أمر رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون الله ربهم.

وقوله ﵌ للأمَة التي أراد مولاها أن يعتقها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»١. فاكتفى رسول الله ﵌ منها برفع رأسها إلى السماء. ودل على ما قدمناه أنه على العرش، والعرش فوق السماوات السبع.

ودليل قولنا أيضًا: قول أُمية بن أبي الصلت في وصف الملائكة:

وساجدهم٢ لا يرفع الدهر رأسهيعظم ربًّا فوقه ويمجد
فسبحان من لا يقدر الخلق قدرهومن هو فوق العرش فرد موحد
  1. (١) تقدم تخريجه (ص/١٠٥).
  2. (٢) في (أ): «وساجد».
230

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي