وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾[غافر/ ٣٦] فدل على أن موسى ﵊ كان يقول: إن إلهي٢ في السماء. وفرعون يظنه كاذبًا.
فإن احتج أحد٣ علينا فيما قدمناه، وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات؛ لأن٤ ما أحاطت به الأمكنة واحتوته، فهو مخلوق= فشيء لا يلزم ولا معنى له، لأنه تعالى ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يُقاس بشيء من بريته، ولا٥ يُدرَك [ظ/ق ٣٦ أ] بقياس، ولا يقاس بالناس، كان قبل الأمكنة، ويكون٦ بعدها، لا إله إلا هو، خالق كل شيء لا شريك له، وقد اتفق المسلمون وكل ذي لبٍّ أنه لا يعقل كائن إلا في مكان ما، وما ليس في مكانٍ فهو عدم، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف
(١) انظر: ديوان أمية بن أبي الصلت (ص/٢٩).
(٢) في (أ، ت): «إن الإله».
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (ب): «لأنه» وهو خطأ.
(٥) في (ب): «لا» بدون الواو.
(٦) في (أ، ب، ت، ع، ظ): «ثم يكون».
يقاس [ب/ق ٣٧ أ] على شيء من خلقه؟ أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه؟ تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
فإن قال قائل: إذا وصفنا ربنا تعالى بأنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الأماكن فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منَّا فيه بالتغيير والانتقال؛ إذ زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان.
قيل له: وكذلك زعمت أنت١ أنه كان لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فنقل صفته من الكون لا في مكان إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغيَّر عندك معبود وانتقل من لا مكان إلى كل مكان.
فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان - كما هو الآن - فقد أوجب الأماكن والأشياء٢ معه في أزليته، وهذا فاسد.
فإن قال: فهل٣ يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان.
قيل٤ له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك