يقاس [ب/ق ٣٧ أ] على شيء من خلقه؟ أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه؟ تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
فإن قال قائل: إذا وصفنا ربنا تعالى بأنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الأماكن فصار في مكان، وفي ذلك إقرار منَّا فيه بالتغيير والانتقال؛ إذ زال عن صفته في الأزل، وصار في مكان دون مكان.
قيل له: وكذلك زعمت أنت١ أنه كان لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فنقل صفته من الكون لا في مكان إلى صفة هي الكون في كل مكان، فقد تغيَّر عندك معبود وانتقل من لا مكان إلى كل مكان.
فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان - كما هو الآن - فقد أوجب الأماكن والأشياء٢ معه في أزليته، وهذا فاسد.
فإن قال: فهل٣ يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان.
قيل٤ له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك
(١) سقط من (ب): «زعمت أنت».
(٢) في (أ، ت): «الأشياء والأماكن».
(٣) في (أ، ت): «هل».
(٤) في (ت): «فقل».
عليه، لأن١ كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نقلته لا توجب مكانًا، وليس في ذلك كالخلق، لأن كون ما كوَّنه يوجب مكانًا٢ من الخلق ونقلته توجب مكانًا ويصير منتقلًا من مكانٍ إلى مكان، والله تعالى ليس كذلك، ولكنا نقول: استوى من لا مكان إلى مكان، ولا نقول: انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، كما نقول: له عرش، ولا نقول: له سرير، ونقول: هو الحكيم، ولا نقول: هو العاقل، ونقول: خليل إبراهيم، ولا نقول: صديق إبراهيم، وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمَّى٣ به نفسه على ما تقدم، ولا ندفع ما وصف به نفسه؛ لأنه دفْعٌ للقرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر/٢٢]، وليس مجيئه حركة ولا زوالًا ولا انتقالًا٤، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقْلة، ولو اعتبرت ذلك بقولهم: جاءت فلانًا قيامته، وجاءه الموت، وجاءه المرض، وشبْه ذلك [ب/ق ٣٧ ب] مما هو
(١) في (أ، ت): «لأنه».
(٢) سقط من (ب).
(٣) في (ظ): «وصف».
(٤) من التمهيد، وفي جميع النسخ: «ابتدالًا» ولعله تحريف.