سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا تصبر١ نفسك على التمسك به٢، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، فقد شرحت لك٣ منهاجًا موضحًا٤، لم آل نفسي٥ وإياك فيه نصحًا، بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد، الحمد لله أحق ما بُدئ وأولى من شُكِر، وعليه أُثني الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جلَّ عن المِثْل فلا شبه٦ له ولا عديل، السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع، عالٍ على عرشه، وهو دانٍ بعلمه من خلقه، أحاط علمه بالأمور، ونفذ في خلقه سابق المقدور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر، لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا. خلق الخلق بمشيئته من غير حاجة كانت به، فخلق الملائكة جميعًا لطاعته، وجبلهم على عبادته، فمنهم: ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرشه [ب/ق ٣٩ ب] يسبحون، وآخرون بحمده يقدسون، واصطفى منهم رسلًا إلى رسله، وبعض مدبرون لأمره. ثم
(١) في (ب): «تبصر».
(٢) سقط من (ب).
(٣) سقط من (ب).
(٤) في (ب): «واضحًا».
(٥) في (ب): «بنفسي»، والمثبت أولى.
(٦) في (مط): «شبيه».
خلق آدم بيده وأسكنه جنته، وقبل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم سلَّط عليه عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله [إلى الهبوط]١ إلى الأرض سببًا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلًا، ولا عنه لها مذهبًا.
ثم خلق للجنة من ذريته أهلًا، فهم بأعمالها٢ بمشيئته عاملون، وبقدره وإرادته منفذون٣. وخلق من ذريته للنار أهلًا، فخلق لهم أعيُنًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقلوبًا لا يفقهون بها، فهم بذلك عن الهدى محجبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون.
والإيمان قول وعمل، وهما شيئان ونظامان وقرينان، لا يفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان، والمؤمنون في الإيمان متفاضلون٤، وبصالح الأعمال هم مَزيدون٥، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان، ولا يوجب لمحسنهم غير ما أوجب له النبي ﵌، ولا يشهد
(١) من (مط): «إلى الهبوط».
(٢) في (ب): «بأعمالهم».
(٣) كذا في (ظ)، ووقع في (أ، ت، ع): «بقدرته بإرادته ينفذون»، وجاء في (ب): «وبقدره بإرادته ينفذون».