خلق آدم بيده وأسكنه جنته، وقبل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم سلَّط عليه عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله [إلى الهبوط]١ إلى الأرض سببًا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلًا، ولا عنه لها مذهبًا.
ثم خلق للجنة من ذريته أهلًا، فهم بأعمالها٢ بمشيئته عاملون، وبقدره وإرادته منفذون٣. وخلق من ذريته للنار أهلًا، فخلق لهم أعيُنًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقلوبًا لا يفقهون بها، فهم بذلك عن الهدى محجبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون.
والإيمان قول وعمل، وهما شيئان ونظامان وقرينان، لا يفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان، والمؤمنون في الإيمان متفاضلون٤، وبصالح الأعمال هم مَزيدون٥، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان، ولا يوجب لمحسنهم غير ما أوجب له النبي ﵌، ولا يشهد
(١) من (مط): «إلى الهبوط».
(٢) في (ب): «بأعمالهم».
(٣) كذا في (ظ)، ووقع في (أ، ت، ع): «بقدرته بإرادته ينفذون»، وجاء في (ب): «وبقدره بإرادته ينفذون».
(٤) في (ب، ظ): «يتفاضلون».
(٥) في (أ، ب، ت، ع): «متزيِّدون».
على مسيئهم بالنار.
والقرآن كلام الله ﷿، ومن الله، وليس بمخلوق فيبيد، وقدرة الله ونعْتُه وصفاته كلها غير مخلوقات، دائمات أزلية ليست بمحدثاتٍ [ظ/ق ٣٩ أ] فتبيد، ولا كان ربنا ناقصًا فيزيد. جلَّت صفاته عن شبه المخلوقين، وقصرت عنه فِطَن الواصفين. قريب بالإجابة١ عند السؤال، بعيد بالتعزُّز٢ لا يُنال، عالٍ على عرشه، بائن عن٣ خلقه، موجود ليس بمعدوم ولا مفقود.
والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم، وانقطاع آثارهم، ثم هم بعد الضغطة في القبور مسؤولون، وبعد البِلَى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون٤، وعند العرض عليه محاسبون بحضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين٥، أحصاه الله ونَسُوه، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة؛ لو كان غير الله ﷿ الحاكم بين خلقه، فالله يلي الحكم بينهم بِعدْله٦ بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين.