قال: وزعم هؤلاء أنه لا تجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد، وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه هو١ العلي الأعلى، ونطق٢ بذلك القرآن.
وزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى: علو٣ الغلبة، لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله ﷿ علو الغلبة والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح، فنثبت أن لله تعالى علوَّ الذات، وعلو الصفات، وعلو [ب/ق ٤٥ أ] القهر والغلبة. وفي منعهم الإشارة إلى الله ﷾ من٤ جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله ﷾ من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حُجَّة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق.
وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾[النحل/٥٠].
(٢) في (ظ): «ونطلق» وكتب عليها الناس في الحاشية: لعله: «ونطق».
(٣) سقط من (ظ) فقط.
(٤) في (أ، ب): «إلى».
وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾[المعارج/٤].
وأخبر تعالى عن فرعون أنه قال: ﴿... يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ٣٦ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾[غافر/ ٣٦، ٣٧].
فكان فرعون قد فهم عن موسى ﵊ أنه يثبت إلهًا فوق السماء، حين١ رام بصرحه أن يطلع إليه، واتَّهم موسى ﵊ بالكذب في ذلك، والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته، فهم أعجز فهمًا من فرعون بل وأضل٢.
وقد صحَّ عن النبي ﵌ أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها: «أين الله»؟ قالت: في السماء. وأشارت برأسها. وقال: «من أنا»؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال: «أعتقها فإنها مؤمنة»، فحكم النبي ﵌ بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء، وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك.
هذا كله كلام أبي٣ القاسم التيمي٤ رحمه الله تعالى٥.
(١) في (أ، ت، ع، مط).
(٢) من (ع، مط): «بل وأضل»، وأثبتُّها إتمامًا للحُجَّة على الجهمية.