على أن يسألوه عن مسألة بين يدي الوزير يُعنتونه١ بها؛ فإن أجاب بما كان٢ يجيب بهراة سقط من عين الوزير، وإن لم يجب سقط من عيون٣ أصحابه وأهل مذهبه، فلمَّا دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من الجماعة، فقال: يأذن الشيخ الإمام في أن أسأل مسألة؟ فقال: سل. فقال: لِمَ تلعن أبا الحسن الأشعري؟ فسكت. وأطرق الوزير لِمَا علم من جوابه، فلمَّا كان بعد ساعة قال له الوزير: أجِبْه. فقال: أنا٤ لا ألعن الأشعري، وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله في السماء، وأن القرآن في المصحف، وأن النبي ﵌ اليوم نبي. ثم قام وانصرف فلم يمكن أحدًا أن يتكلَّم بكلمة من هيبته وصولته وصلابته، فقال الوزير للسائل ومن [ب/ق ٤٧ أ] معه: هذا أردتم؟ كنا نسمع أنه يذكر هذا بهراة، فاجتهدتم٥ حتى سمعناه بآذاننا، وما عسى أن أفعل به، ثم بعث خلفه خِلَعًا وصِلَة فلم يقبلها، وخرج من فوره إلى هراة٦.
وهذا القول في النبوة بناء على أصل الجهمية وأفراخهم: أن الروح
(١) في (ت، ع): «يفتنونه».
(٢) من (ظ) فقط.
(٣) في (أ، ت): «أعين»، وفي (ع): «عين».
(٤) سقط من (أ، ت، ع). وفي ذيل الطبقات «لا أعرف الأشعري».
(٥) في (ب، ع): «فاجتهد»، وكتب ناسخ (ب) عليها: «كذا».
عَرَضٌ من أعراض البدن كالحياة، وصفات الحي مشروطة بها، فإذا زالت بالموت تبعتها صفاته فزالت بزوالها. ونجا متأخروهم من هذا الإلزام وفروا إلى١ القول بحياة الأنبياء ﵈ في قبورهم، فجعلوا لهم٢ معادًا يختص بهم قبل المعاد الأكبر، إذ لم يمكنهم التصريح بأنهم لم يذوقوا الموت.
وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة واستيفاء الاحتجاج٣ لهم وبيان ما في ذلك في كتاب «الشافية٤ الكافية في الانتصار للفرقة الناجية»٥.
(١) في (ب، ظ): «من»، ولعله سهو.
(٢) في (ب، ظ): «له» وهو خطأ.
(٣) في (ظ): «الحُجَج»، وفي (أ، ت، ع): «الحِجَاج».
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية. ووقع في المطبوعة (مط): «الكافية الشافية ...». وهذا العنوان - أعني «الشافية الكافية ...» جاء في صفحة العنوان من النسخة الظاهرية من هذا الكتاب «الشافية الكافية» وخاتمتها، وهي نسخة عالية نفيسة منقولة عن نسخة الحافظ ابن رجب بقراءة والده على المؤلف (ابن القيم) قبل وفاته بستة أشهر، وقد ذُكر العنوان المشهور: «الكافية الشافية» في آخر فصل الأمثال في الحاشية من نسخة المؤلف التي قوبلت عليها نسخة الظاهرية. انظر: الكافية الشافية (١/ ٩، ١٠، ١٩٩ - ٢٠٣).