الشيخ أبو محمد: إنه فوق عرشه المجيد بذاته، ثم إنه بين أن علوَّه على عرشه إنما هو بذاته؛ لأنه بائن عن جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته؛ إذ لا تحويه١ الأماكن؛ لأنه أعظم منها، وقد كان ولا مكان، ولم يحل بصفاته عما كان؛ إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه، وهو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي [ظ/ق ٤٥ أ] على العرش؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾٢ و«ثُمَّ» أبدًا لا تكون إلا لاستئناف٣ فعل يكون٤ بينه وبين ما قبله فسحة ...
إلى أن قال: وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه/٥] فإنما معناه عند أهل السنة: على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك٥، الذي ظنَّت المعتزلة ومن قال بقولهم: إنه معنى٦ الاستواء، وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة.
(١) في (ب): «يحويها» وهو خطأ.
(٢) سقط من (ب، ظ): قوله: [لأنه قال: «ثم استوى على العرش»].
(٣) في (أ): «للاستئناف»، وفي (ب): «بالاستئناف».
(٤) في (أ، ت، ظ): «يصير».
(٥) سقط من (ت).
(٦) في (ظ): «بمعنى» وهو خطأ؛ إذ لا يستقيم به المعنى.
قال: ويبيِّن سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره: ما قد علمه أهل العقول أنه لم يزل مستوليًا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواء، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة.
قال: وكذلك بَيّن أيضًا أنه١ على الحقيقة بقوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾[النساء/١٢٢] فلما رأى المُنْصِفون٢ إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء٣ على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنه الصادق في قِيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله؛ إذ ليس كمثله شيء من الأشياء»٤.
(١) في (ت): «إن الله».
(٢) في (ب): «المصنِّفون» وهو خطأ.
(٣) سقط من (ت) قوله: «هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء».