ولم يكونوا يصرحون به لوفور السلف والأئمة وكثرة أهل السنة، فلما بَعُد العهد وانقرض الأئمة صرَّح أتباعهم بما كان أولئك يشيرون إليه ويدورون حوله، قال: وهكذا [ظ/ق ٥٢ ب] ظهرت البدع، كلما طال الأمر وبعد العهد اشتد أمرها وتغلظت. قال: وأول بدعة ظهرت في الإسلام بدعة القدر والإرجاء، ثم بدعة التشيع، إلى أن انتهى الأمر إلى الاتحاد والحلول وأمثالهما.
قول الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى:
له كتاب في «الرد على الجهمية» قال فيه: باب قول الجهمي في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾! زعمت الجهمية أن معنى استوى: استولى، مِن قول العرب: استوى فلان على مصر يريدون استولى عليها، قال: فيقال له: هل يكون خلْقٌ من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستولٍ عليه١؟ فإذا قال: لا. قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر. فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستولٍ عليه، وذلك لأنه أخبر سبحانه أنه٢ خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي
(١) في (ب): «ليس الله بمستولٍ عليه»، وفي (ظ): «ليس هو مستولٍ».
(٢) في (ت): «أنه سبحانه»، وفي (أ): «لأنه سبحانه أخبر أنه خلق» والمثبت أولى.
كان١ العرش [فيها]٢ قبل خلق السماوات والأرض ليس الله تعالى بمستولٍ عليه فيها، ثم ذكر كلامًا طويلًا في تقرير العلو والاحتجاج عليه٣.
ذكر قول جرير بن عبد الحميد: شيخ إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة رحمهم الله تعالى:
قال: كلام الجهمية أوله عسل، وآخره سُمٌّ، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله.
رواه ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية»٤.
ذكر قول عبد الله بن الزبير الحُميدي أحد شيوخ النبل شيخ البخاري إمام أهل الحديث والفقه في وقته، وهو أول رجل افتتح به البخاري «صحيحه»:
قال: وما نطق به القرآن والحديث مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة/ ٦٤]، ومثل
(١) في (ت): «كان على»، وهو خطأ.
(٢) من درء التعارض، وسقط من جميع النسخ.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١١٥، ١١٦).
(٤) كما في درء تعارض العقل والنقل (٦/ ٢٦٥)، ونقض التأسيس (١/ ١٩٩، ٢٠٠)، والعلو للذهبي (٢/ ٩٨٥) رقم (٣٦٠).