وكذلك من تأمل تبويب ابن ماجه في «السنة والرد على الجهمية» في أول كتابه٢، وتبويب أبي داود٣ فيما ذكر في الجهمية والقدرية وسائر أئمة أهل الحديث= علم مضمون قولهم٤، وأنهم كلهم على طريقة واحدة وقول واحد؛ ولكن بعضهم بَوَّب وترجم، ولم يزد على الحديث غير التراجم والأبواب. وبعضهم: زاد التقرير وإبطال قول المخالف. وبعضهم سَرَدَ الأحاديث ولم يترجم لها.
وليس فيهم من أبطل حقائقها وحرَّفها عن مواضعها، وسمَّى تحريفها تأويلًا كما فعلته الجهمية؛ بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظم مما٥ بين عسكر الكفر وعسكر الإسلام. وابن ماجه قال في أول «سننه»: باب ما أنكرت الجهمية٦، ثم روى
(١) كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٠): حيث قال: «هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان».
(٢) السنن، حيث قال في المقدمة، (١٣) باب: فيما أنكرت الجهمية (ص/٣٥).
(٣) في السنن، في (٣٩) كتاب السنة، (١٦) باب: في القدر (ص/٥١١)، و(١٨) باب في الجهمية (ص/٥١٤)، وباب في الرد على الجهمية (ص/٥١، ٥١٦).
(٤) في (ظ): «أقوالهم».
(٥) في (ظ): «ما».
(٦) باب (١٣) (ص/٣٥).
أحاديث الرؤية١. وحديث: «أين كان ربنا»٢، وحديث جابر: «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم، فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار ﷻ قد أشرق عليهم من فوقهم»٣، وحديث الأوعال الذي فيه: «والعرش فوق ذلك والله فوق العرش»٤، وحديث: «إن الله ليضحك إلى ثلاثة»٥. وغيرها من الأحاديث.
قول الحافظ أبي بكر [ب/ق ٦٣ ب] الآجُرِّي إمام عصره في الحديث والفقه:
قال في كتابه «الشريعة» باب التحذير من مذهب٦ الحلولية:
الذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط بجميع ما خلق في السماوات العُلى، وبجميع ما خلق في سبع أرضين، تُرفع إليه أعمال العباد.
فإن قال قائل: فما معنى قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا
(١) من (ص/٣٥)، رقم (١٧٧) إلى رقم (١٨٠)، و(١٨٦، ١٨٧).