الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بُعث به رسوله ﷺ، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم من١ جميع جهاتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة٢، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.
وإذا قُسمت٣ الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في٤ النار مُظلم، وهذه الظلمة هي التي خُلق فيها الخلق أوَّلًا، فمن أراد الله ﷾ به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد [ظ/ق ٢ أ] وابن حبان في "صحيحه" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله خلقَ خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من٥ نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول:
(١) في باقي النسخ: "في".
(٢) من قوله: "وأعمالهم مظلمة ... كلها مظلمة": سقط من (ت).
(٣) في (ظ): "قُيِّمت".
(٤) في (أ، ت، ظ، ع): "من".
(٥) ليس في (ب).
جفَّ القلم على علم الله"١.
وكان النبي ﷺ يسأل الله تعالى أن يجعل له نورًا في قلبه، وسمعه وبصره، وشعره وبشره، ولحمه وعظمه٢ ودمه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله، وخلفه وأمامه، وأن يجعل ذاته نورًا٣، فطلب ﷺ النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه٤ الظاهرة والباطنة ولجهاته الست.
وقال أُبيُّ بن كعب ﵁: "المؤمن مدخله نور، ومخرجه نور، وقوله نور، وعمله نور"٥، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر
(١) أخرجه أحمد (١١/ ٢١٩، ٢٢٠) (٦٦٤٤، ٦٨٥٤)، والترمذي (٢٦٤٢)، وابن أبي عاصم في السنة رقم (٢٤٨ - ٢٥١)، والفريابي في القدر رقم (٦٥ - ٧٠)، وابن حبان (٦١٦٩، ٦٠٧٠)، وابن خزيمة (١٣٣٤) في دعوة سليمان، والحاكم (١/ ٨٤، ٨٥) مطولًا وغيرهم من طرق عن ربيعة بن يزيد ويحيى بن أبي عمرو السيباني وعروة بن رويم عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ فذكره وقرن معه حديثًا في "شرب الخمر" وحديثًا "في دعوة سليمان لمَّا بنى مسجد بيت المقدس". وسنده صحيح. والحديث: حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ولم يتعقَّبه الذهبي.
(٢) في (أ، ت، ظ، ع): "وعظامه".
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٧٦٣) ــ (١٨١، ١٨٧، ١٨٩) من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) في (أ، ت، ع): "وحواسه".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٦٠٣) (١٤٦١٩)، والطبري في تفسيره = = ... (١٨/ ١٣٨) مطولًا، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٤) رقم (٣٥١٠) مطولًا، ولم يذكر الشاهد اختصارًا. من طريق: حجاج وعبيد الله بن موسى عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبيّ بن كعب وفيه: "فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: قد تكلم في رواية أبي جعفر عن الربيع بسبب وصله أحاديث لأبي العالية وجعلها عن أبي بن كعب، قال ابن حبان: "الناس يتَّقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر (أي الرازي) عنه؛ لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا". تهذيب الكمال (٩/ ٦٢) حاشية.