فإن الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر، الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول ﷺ عن الله، وأن كل ما عارضه فشبهات يشتبه١ على من قل نصيبه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئًا له حاصل يُنتفع به وهي: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ٣٩ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾٢[النور/ ٣٩، ٤٠].
وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح الذين صدّقوا الرسول ﷺ في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات، وأطاعوه في أوامره٣، ولم يضيعوها بالشهوات، فلا هم في علمهم من أهل [ظ/ق ٤ ب] الخوض الخراصين الذين هم في غمرة ساهون٤، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطت أعمالهم في
(١) في (أ، ظ، ع): "تشتبه"، والمثبت أولى.
(٢) إلى قوله: ﴿بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ انتهت الآية في "ظ، ت"، وإلى قوله: ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ انتهت الآية في (ع)، والمثبت من (ب).
(٣) في (ع): "أوامره ونواهيه".
(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ١٠ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾[الذاريات/ ١٠، ١١].
الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون١.
أضاء لهم نور الوحي المبين فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله٢ من الحكمة وفصل الخطاب، إن عندهم إلا نخالة٣ الأفكار وزبالة الأذهان، التي قد رضوا بها واطمأنوا إليها، وقدّموها على السنة والقرآن، إن في صدورهم إلا كبر٤ ما هم ببالغيه٥ أوجبه لهم اتباع الهوى ونخوة الشيطان، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان.
فصل:
القسم الثاني: أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ