أحدهما: الذين يحسبون١ أنهم على علم وهدى، وهم أهل جهلٍ وضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه٢ ويوالون أهله وهم يحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون٣، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هم إليه، ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان كما هو حال من أمَّ٤ السراب فلم يجده ماءً، بل انضاف إلى ذلك أنه وجد عنده أحكم الحاكمين وأعدل العادلين ﷾، فحسب له٥ ما عنده من العلم والعمل ووفَّاه إياه
بمثاقيل الذَّر، وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه فجعله هباءً منثورًا١؛ إذ لم يكن خالصًا لوجهه، ولا على سنة رسوله ﷺ، وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسراتٍ عليه.
والسراب: ما يرى في الفلوات المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري.
والقِيعةُ٢ والقاع هو: المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا وادٍ.
فشَبَّه علوم من لم يأخذ علومه من٣ الوحي وأعماله بسراب يراه المسافر في شدة الحرِّ، فيؤمُّه فيخيب ظنه [ظ/ق ٥ أ] ويجده نارًا تلظَّى، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حُشِرَ الناس واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب فيحسبونه ماءً، فإذا أتوه وجدوا الله عنده فأخذتهم زبانية العذاب فعتلوهم إلى نار الجحيم، فسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم٤، وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع،
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾[الفرقان/٢٣].
(٢) في (ب): "البقيعة".
(٣) في (ب، ت): "عن".
(٤) يشير إلى قوله تعالى: ﴿... وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾[محمد/١٥].