اجتماع الجيوش

والأعمال التي كانت لغير الله تعالى صيرها الله تعالى حميمًا سقاهم إياه، كما أن طعامهم من ضريع لا يُسمن ولا يُغني من جوع١، وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا تسمن ولا تغني من جوع، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ [ب/ق ٦ ب] أَعْمَالًا ١٠٣ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف/١٠٣، ١٠٤]، وهم الذين عنى الله بقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان/٢٣]، وهم الذين عنى بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة/١٦٧].

القسم الثاني من هذا الصنف: أصحاب الظلمات، وهم المنْغمِسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجهٍ، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نورٍ من٢ الله.

﴿كَظُلُمَاتٍ﴾: جمع ظُلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض

  1. (١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية/٦، ٧].
  2. (٢) سقط من (ب).
32

عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله١ صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله معهم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمدًا ﷺ من الهدى ودين الحق يتقلَّب٢ في خمس ظلمات: قوله ظُلْمة، وعمله ظُلمة، ومدخله ظُلمة، ومخرجه ظُلمة، ومصيره إلى الظُّلمة٣، فقلبه مظلم، ووجهه مظلم، وكلامه مظلم، وحاله مظلم، وإذا قابلت بصيرته الخفَّاشيَّة ما بعث الله به محمدًا ﷺ من النور جَدَّ في الهرب منه وكاد نوره يخطف بصره فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي أنسب به٤ وأولى، كما قيل:

خفافيش أعشاها النهار بضوئهووافقها٥ قطع من الليل مظلم٦
  1. (١) في "ظ": "رسوله".
  2. (٢) في (ت): "ينقلب".
  3. (٣) في (ظ): "ظلمة".
  4. (٤) من (ظ، ع)، وفي (ت): "به أنسب". وفي (ب): "بها أنسب".
  5. (٥) في (ت): "ووافتها".
  6. (٦) في (ت): "مظلمه". والبيت لم أقف على قائله، ولعل قائله أخذه من قول ابن الرومي في ديوانه (١/ ١٥٧):
    خفافيش أعشاها نهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل غيهب
    وأنشد المؤلف في المدارج وغيره:
    خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل باديا
33

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي