فإذا جاء إلى زبالة الأفكار ونحاتة الأذهان١، جال وصال، وأبدى وأعاد، وقعقع وفرقع. فإذا طلع نور الوحي وشمس الرسالة انجحر في أجحرة الحشرات.
وقوله تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ اللُّجِّيُّ٢: العميق، منسوب إلى لُجَّة البحر، وهو مُعْظمُه. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ تصوير لحال٣ هذا المعرض عن وحْيه، فشَبَّه تلاطم أمواج الشُبه والباطل [ظ/ق ٥ ب] في صدره بتلاطم أمواج ذلك البحر، وأنها أمواج بعضها فوق بعض، والضمير الأول في قوله: ﴿يَغْشَاهُ﴾ راجع إلى البحر. والضمير الثاني في قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ عائد إلى الموج، ثم٤ إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب، [ب/ق ٧ أ] فه؟هنا ظلمات٥: ظلمة البحر اللُّجِّي، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله إذا أخرج مَنْ٦ في هذا البحر يده لم يكد يراها.
واختُلِف في معنى ذلك، فقال كثير من النحاة: هو نفي لمقاربة
(١) في (ظ): "نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان".
(٢) سقط من (ت، ع).
(٣) في (ب، ع): "بحال".
(٤) سقط من (ت).
(٥) سقط من (ت، ع).
(٦) في (ظ): "ممن".
رؤيتها، وهو أبلغ من نفي الرؤية، فإنه قد ينتفي وقوع الشيء ولا تنتفي مقاربته، فكأنه قال: لم يقارب رؤيتها بوجه.
قال هؤلاء: وكاد من أفعال المقاربة، لها حكم سائر الأفعال في النفي والإثبات، فإذا قيل: كاد يفعل، فهو إثبات لمقاربة الفعل، فإذا١ قيل: لم يكد يفعل، فهو نفي لمقاربة الفعل.
وقالت طائفة أخرى: بل هذا دالٌّ على أنه إنما يراها بعد جُهد شديد، وفي ذلك إثبات رؤيتها بعد أعظم العُسر؛ لأجل تلك الظلمات، قالوا: لأن كاد لها شأن٢ ليس لغيرها من الأفعال: فإنها إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، فإذا قلت: ما كدت أصِلُ إليك، فمعناه: وصلتُ إليك بعد الجهد والشدة. فهذا إثبات للوصول، وإذا قلت: كاد زيد يقوم، فهي نفي لقيامه٣، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾[الجن/١٩] ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ...﴾ الآية [القلم/٥١].
وأنشد بعضهم في ذلك ملغِزًا:
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة٤... جرت في لسانَيْ جرهم وثمود