إعلام الموقعين

المعنى الذي ذكره».

فهذه أجوبة النظار. ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كلَّ مسألة منها بجواب مفصل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به.

أما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع الغسلَ من المني دون البول؛ فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة؛ فإن المني يخرج من جميع البدن، ولهذا سمَّاه الله سبحانه: ﴿سُلَالَةٍ﴾، لأنه يُسَلُّ١ من جميع البدن. وأما البول [٢٨٢/أ] فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثُّرُ البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول.

وأيضًا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. بل جميع الأرواح القائمة بالبدن، فإنها تقوى بالاغتسال. والغسل يُخْلِف عليه ما تحلَّل منه بخروج المني، وهذا أمر يُعلَم٢ بالحس. وأيضًا فإن الجنابة توجب ثقلًا وكسلًا، والغسلُ يُحدِث له نشاطًا وخفّةً. ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيتُ عنِّي جبلًا٣.

وبالجملة فهذا أمر يدركه كلُّ ذي حسٍّ سليم وفطرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب، مع ما تُحدثه الجنابة من بُعدِ القلب والروح عن الأرواح

  1. (١) ت: «يسيل»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف. وفي ع: «يخرج».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «يعرف».
  3. (٣) تقدم تخريجه.
350

الطيبة، فإذا اغتسل زال ذلك البعد. ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا نام عرجت روحه. فإن كان طاهرًا أُذِن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها١، ولهذا أمر النبي ﷺ الجنب إذا نام أن يتوضأ٢.

وقد صرَّح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويُخلف عليه ما تحلَّل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركُه مُضِرّ. ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه، وبالله التوفيق. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظمُ حرج ومشقة [٢٨٢/ب] على الأمة، تمنعه حكمةُ الله ورحمتُه وإحسانُه إلى خلقه.

فصل

وأما غسلُ الثوب من بول الصبية، ونضحُه من بول الصبي، إذا لم يطعما؛ فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنهما يُغسلان جميعًا.

والثاني: يُنْضَحان.

والثالث: التفرقة. وهو الذي جاءت به السنة٣. وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها.

  1. (١) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٢٤٥) من كلام أبي الدرداء. وفي سنده عثمان بن نعيم الرعيني مجهول، لم يَرْوِ عنه غير ابن لهيعة. وفيه أبو عثمان الأصبحي، مستور الحال، ولا يُعلم له سماع من أبي الدرداء.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٨٧) ومسلم (٣٠٦) من حديث ابن عمر ﵄.
  3. (٣) سبق تخريجها.
351

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي