الخامس: قول النبي ﷺ: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تُستبرأ بحَيضة»١.
ومقدَّمُ هذه الأجناس٢ الحاكمُ عليها كلِّها: وضعُ الحمل. فإذا وُجِد فالحكم له، ولا التفات إلى غيره. وقد كان بين السلف نزاع في المتوفَّى
(١) رواه أحمد (١١٢٢٨، ١١٥٩٦، ١١٨٢٣)، وأبو داود (٢١٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا. وفي سنده شريك النخغي، وهو ضعيف، وأغرب الحاكم، فصحح حديثَه هذا (٢/ ١٩٥) قاطعًا أنه على شرط مسلم! لكن للحديث شواهد كثيرة تدلّ على ثبوت معناه، منها: حديث أبي الدرداء مرفوعا، رواه مسلم (١٤٤١). وحديث رُويفع بن ثابت، وسيأتي تخريجُه قريبًا. وحديث العرباض بن سارية مرفوعا، رواه الترمذي (١٥٦٤)، واستغربه، أما الحاكم، فصححه (٢/ ١٣٥). وحديث أبي هريرة مرفوعا، رواه أحمد (٨٨١٤)، وله طريق أخرى عنه ذكرها البخاري في «التاريخ الكبير» (٥/ ٢٣٩). وحديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا، صححه ابن حبان (٢٠٦٧). وحديث ابن عباس مرفوعا، رواه الدارقطني (٣٦٤٠)، وله طريقان آخران صححهما الحاكم (٢/ ٥٦، ١٣٧)، أحدهما عند النسائي (٤٦٤٥).
(٢) بعده في ت زيادة «كلها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
عنها أنها تتربَّص أبعدَ الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل. وأما عدة الوفاة فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دلَّ عليه عمومُ القرآن، والسنةُ الصحيحة١، واتفاق الناس. فإن الموت لما كان انتهاءَ العقد وانقضاءَه استقرَّت به الأحكام من التوارث، واستحقاق المهر. وليس المقصود بالعدة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء، لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحَيضة واحدة، ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها. فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبُّد محض لا يُعقَل معناه. وهذا باطل لوجوه:
منها: أنه [٢٨٧/أ] ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة، يعقله مَن عقَله، ويخفى على من خفي عليه.
ومنها: أن العِدَد ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حقِّ الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية.
ومنها: أن رعاية حقِّ الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها.
فالصواب٢ أن يقال: هي حريم٣ لانقضاء النكاح لما كمل. ولهذا تجد فيها رعايةً لحق الزوج وحرمة له. ألا ترى أن النبي ﷺ كان من احترامه ورعايةِ حقوقه تحريمُ نسائه بعده. ولما كان٤ نساؤه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعًا، لم يحِلَّ لأحد أن يتزوج بهن بعده؛ بخلاف غيره، فإن هذا ليس
(١) سبق تخريجُ حديثِ الفريعةِ بنتِ مالكٍ الدالِّ على ذلك.
(٢) ت، ع: «والصواب».
(٣) يعني أنها تابعة له. وفي ت: «تحريم»، وفي حاشية ع أنه كان كذا في أصلها.