فإن قيل: هذه العلة باطلة، فإن المختلعة، والمفسوخَ نكاحُها بسبب من الأسباب، والمطلَّقةَ ثلاثًا، والموطوءةَ بشبهة، والمزنيَّ بها= تعتدُّ بثلاثة أقراء، ولا رجعة هناك. فقد وُجِد الحكم بدون علته، وهذا يُبطِل كونها علَّةً.
قيل: شرطُ النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتًا بنص أو إجماع. وأما كونه قولًا لبعض العلماء، فلا يكفي في النقض به. وقد اختلف الناس في عدَّة المختلعة، فذهب إسحاق وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه دليلًا أنها تعتدُّ بحَيضة واحدة٢. وهو مذهب عثمان بن عفان٣، وعبد الله بن عباس٤. وقد حُكي إجماعُ الصحابة، ولا يعلم لهما مخالف. وقد دلَّت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة دلالةً صريحةً. وعذرُ من خالفها أنها لم تبلغه، [٢٨٨/ب] أو لم تصح عنده، أو ظنَّ الإجماعَ على خلاف موجَبها.
وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر٥. أما رجحانه أثرًا، فإن النبي
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾[التوبة: ٢].
ﷺ لم يأمر المختلعة قطُّ أن تعتدَّ بثلاث حِيَض، بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيِّع بنت معوِّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته، فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ١. فأتى أخوها يشتكيه٢ إلى رسول الله. فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ثابت، فقال: «خُذ الذي لها عليك، وخَلِّ سبيلها». قال: نعم. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضةً واحدةً، وتلحق بأهلها٣.
وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ، أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحَيضة٤. قال الترمذي: «الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدَّ بحَيضة».
وهذه الأحاديث لها طرقٌ يصدِّق بعضُها بعضًا. وأُعِلَّ الحديثُ بعلَّتين. إحداهما: إرساله، والثانية٥: أن الصحيح فيه «أُمِرت» بحذف الفاعل. والعلَّتان غير مؤثِّرتين، فإنه قد روي من وجوه متصلة، ولا تعارُضَ بين «أُمِرَتْ» و«أمرها رسول الله ﷺ»، إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله ﷺ في حياته. وإذا كان الحديث قد روي بلفظ محتمل، ولفظ صريح يفسِّر المحتملَ ويبيِّنه، فكيف يُجعَل المحتملُ معارضًا للمفسِّر، بل مقدَّمًا [٢٨٩/أ] عليه؟
(١) في المطبوع زيادة بعده: «بن سلول».
(٢) ع: «يشتكي»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) رواه النسائي (٣٤٩٧). ويُنظر: «السنن» لأبي داود (٢٢٢٨).
(٤) رواه أبو داود (٢٢٢٩)، والترمذي عَقِبَ الحديث (١١٨٥)، وقال: «حسنٌ غريبٌ». وصححه الحاكم (٢/ ٢٠٦). ويُنظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).