إعلام الموقعين

لعظمت المشقة، واشتدَّت البلية، فشرَع مسحَ جميعه، وأقامه مقامَ غسله تخفيفًا ورحمةً، كما أقام المسحَ على الخفين مقام غسل الرجلين.

ولعل قائلًا يقول: وما يجزئ١ مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة؟ ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالًا لأمر الله وطاعةً له وتعبُّدًا يؤثِّر في نظافته وطهارته ما لا يؤثِّر غسلُه بالماء والسِّدر بدون هذه النية، والتحاكمُ في هذا إلى الذوق السليم والطبع المستقيم؛ كما أنَّ مَعْكَ الوجهِ بالتراب امتثالًا للأمر وطاعةً وعبوديةً تُكْسِبه وضاءةً ونظافةً وبهجةً تبدو على صفحاته للناظرين. ولما كانت الرجلان تمسُّ الأرض غالبًا، وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقيةُ الأعضاء= كانت أحقَّ بالغسل. ولم يوفَّق للفهم عن الله ورسوله مَن اجتزأ بمسحهما [٢٩٣/ب] من غير حائل.

فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس. وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يُعصَى الله سبحانه ويطاع. فاليد تبطش، والرِّجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم. فكان في غسل هذه الأعضاء امتثالًا لأمر الله، وإقامةً لعبوديته ما يقتضي إزالةَ ما لحقها من دَرَن المعصية ووسخها.

وقد أشار صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه»٢ عن عمرو بن عَبَسة قال: قلت: يا رسول الله حدِّثني عن الوضوء. قال: «ما

  1. (١) ح، ف: «يجدي» بالدال.
  2. (٢) برقم (٨٣٢).
377

منكم من رجل يقرِّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر [إلا خرَّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسَل وجهه كما أمره الله]١ إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام، فصلَّى، فحمِد الله وأثنى عليه ومجَّده بالذي هو له أهل٢ وفرَّغ قلبه لله= إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمُّه».

وفي «صحيح مسلم»٣ أيضًا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم ــ أو المؤمن ــ فغسَلَ وجهَه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظَر [٢٩٤/أ] إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخرِ قَطْرِ الماء. فإذا غسل يديه خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطشَتْها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء؛ حتى يخرج نقيًّا من الذنوب».

وفي «مسند الإمام أحمد»٤ عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَد. فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ وجهَه انحلَّت عقدة، وإذا مسحَ رأسه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلَّت عقدة. فيقول

  1. (١) الظاهر أن ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ لانتقال النظر.
  2. (٢) ت: «بالذي هو أهله». وفي النسخ المطبوعة: «بالذي هو أهله أو هو له أهل»!
  3. (٣) برقم (٢٤٤).
  4. (٤) برقمي (١٧٤٥٨، ١٧٧٩١)، وصححه ابن حبان (١٩٣).
378

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي