منكم من رجل يقرِّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر [إلا خرَّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسَل وجهه كما أمره الله]١ إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام، فصلَّى، فحمِد الله وأثنى عليه ومجَّده بالذي هو له أهل٢ وفرَّغ قلبه لله= إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمُّه».
وفي «صحيح مسلم»٣ أيضًا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم ــ أو المؤمن ــ فغسَلَ وجهَه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظَر [٢٩٤/أ] إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخرِ قَطْرِ الماء. فإذا غسل يديه خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطشَتْها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء؛ حتى يخرج نقيًّا من الذنوب».
وفي «مسند الإمام أحمد»٤ عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَد. فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ وجهَه انحلَّت عقدة، وإذا مسحَ رأسه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلَّت عقدة. فيقول
(١) الظاهر أن ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ لانتقال النظر.
(٢) ت: «بالذي هو أهله». وفي النسخ المطبوعة: «بالذي هو أهله أو هو له أهل»!
(٣) برقم (٢٤٤).
(٤) برقمي (١٧٤٥٨، ١٧٧٩١)، وصححه ابن حبان (١٩٣).
الربُّ ﷿ للذي١ وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا، يعالج نفسَه. ما سألني عبدي هذا فهو له».
وفيه٢ أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: «أيُّما رجلٍ قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفَّيه نزلت خطيئته من كفَّيه مع أول قطرة. فإذا مضمض٣ واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة. فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة. فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلِمَ من كلِّ ذنب هو له ومن كلِّ خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه. فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا».
وفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء، وأن٤ حاجة [٢٩٤/ب] اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء. فمَن أنكَسُ قلبًا وأفسَدُ فطرةً وأبطَلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء، وإن الشارع فرَّق بين المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبُّد لله من انشراح القلب وقوته، واتساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء؛ فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلَها دون غيرها. وبالله التوفيق.
(١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و«صحيح ابن حبان» (١٠٥٢، ٢٥٥٥). وفي «مسند أحمد»: «الذين»، وكذا في «موارد الظمآن» (١٦٨).
(٢) برقم (٢٢٢٦٧)، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه لِينٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (١٠٥٧٥).