الربُّ ﷿ للذي١ وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا، يعالج نفسَه. ما سألني عبدي هذا فهو له».
وفيه٢ أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: «أيُّما رجلٍ قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفَّيه نزلت خطيئته من كفَّيه مع أول قطرة. فإذا مضمض٣ واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة. فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة. فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلِمَ من كلِّ ذنب هو له ومن كلِّ خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه. فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا».
وفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء، وأن٤ حاجة [٢٩٤/ب] اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء. فمَن أنكَسُ قلبًا وأفسَدُ فطرةً وأبطَلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء، وإن الشارع فرَّق بين المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبُّد لله من انشراح القلب وقوته، واتساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء؛ فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلَها دون غيرها. وبالله التوفيق.
(١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و«صحيح ابن حبان» (١٠٥٢، ٢٥٥٥). وفي «مسند أحمد»: «الذين»، وكذا في «موارد الظمآن» (١٦٨).
(٢) برقم (٢٢٢٦٧)، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه لِينٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (١٠٥٧٥).
(٣) في النسخ المطبوعة: «تمضمض».
(٤) ضبطت في ح بكسر الهمزة: «إن».
فصل
وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، دون غيره؛ فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق؟ بل نصُّه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى؛ فإنه إذا دفَعت توبتُه عنه حدَّ حِرابه١ مع شدة ضررها وتعدِّيه، فلأن تدفع التوبةُ ما دون حدِّ الحِراب بطريق الأولى والأحرى. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾[الأنفال: ٣٨]، وقال النبي ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»٢. والله تعالى جعل الحدودَ عقوبةً لأرباب الجرائم، ورفَع العقوبةَ عن التائب شرعًا وقدرًا، فليس في شرع الله ولا قدره عقوبةُ تائب البتة.
وفي «الصحيحين»٣ من حديث أنس قال: كنت مع النبي ﷺ، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه. فحضرت [٢٩٥/أ] الصلاة، فصلَّى مع النبي ﷺ. فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه الرجل، فأعاد قوله. قال: «أليس قد صلَّيتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله ﷿ قد غفر لك ذنبك». فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يُطلَب غفَر الله له، ولم يُقَمْ عليه الحدُّ الذي اعترف به. وهذا٤ أحد القولين
(١) في المطبوعة: «دُفعت توبته عند حد حرابه»، وهو خطأ.