وأما قوله: «وجعل الحرَّةَ القبيحةَ الشوهاءَ تُحْصِن الرجلَ، والأَمةَ البارعةَ الجمال لا تُحْصنه»، فتعبير سيِّئ عن معنى صحيح؛ فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حدِّ الزنا على من كملت عليه نعمة الله بالحلال، فتخطَّاه إلى الحرام. ولهذا لم يوجب كمال الحدِّ على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله، وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يُبِح الله نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة؛ ودون التسرِّي الذي هو في الرتبة دون النكاح، فإن الأمة ــ ولو كانت ما عسى أن تكون ــ لا تبلغ رتبةَ الزوجة، لا شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً، بل قد جعل الله لكلٍّ منهما رتبةً. والأمة لا تراد لما تراد له الزوجة، ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها١، ولا قَسْم عليه في ملك يمينه. فأمته تجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه، بخلاف الحرائر. وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحدُّ أن يكون قد عقَد على حُرَّةٍ ودخل بها، إذ بذلك يقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقَّها، ويضعها مواضعها. هذا هو [٢٩٧/ب] الأصل ومنشأ الحكمة.
ولا يعتبر ذلك في كلِّ فردٍ فردٍ من أفراد المحصنين. ولا يضرُّ تخلُّفه في كثير من المواضع، إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقضها تخلُّفُ٢ الحكمة في أفراد الصور، كما هذا شأن الخلق. فهو موجَب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه. وبالله التوفيق.
(١) في النسخ الخطية: «نكاحه»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(٢) في النسخ الخطية: «بتخلف»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
فصل
وأما قوله: «ونقض الوضوء بمسِّ الذكر دون سائر الأعضاء، ودون مسِّ العذِرة والبول»، فلا ريب أنه قد صح عن النبي ﷺ الأمرُ بالوضوء من مسِّ الذكر١، وروي عنه خلافه، وأنه سئل عنه، فقال للسائل: «هل هو إلا بضعة منك»٢.
وقد قيل: إن هذا الخبر لم يصح. وقيل: بل هو منسوخ. وقيل: بل هو محكم دالٌّ على عدم الوجوب. وحديث الأمر دالٌّ على الاستحباب. فهذه ثلاثة مسالك للناس في ذلك.
وسؤال السائل ينبني على صحة حديث الأمر بالوضوء وأنه للوجوب. ونحن نجيبه على هذا التقدير، فنقول: هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها. فإن مسَّ الذكر مُذَكِّر بالوطء، وهو في مظنة الانتشار غالبًا، والانتشار الصادر عن المسِّ في مظنة خروج المذي ولا يشعر به. فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها، كما أقيم النوم مقام
(١) رواه أحمد (٢٧٢٩٣)، وأبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢، ٨٣، ٨٤) وصححه، وابن ماجه (٤٧٩)، والنسائي (١٦٣، ١٦٤) من حديث بُسرة بنت صفوان مرفوعا. وصححه أيضًا جماعة من الحفاظ؛ منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وابن خزيمة (٣٣)، وابن حبان (٩٨٨ - ٩٩٣)، والحاكم (١/ ١٣٦، ١٣٨). ويُنظر: «مسائل أبي داود الإمامَ أحمد» (١٩٦٦)، و«مسائل الكوسج» عن أحمد وإسحاق (٥٣، ١٠٩)، و«العلل» للدارقطني (١٥/ ٣١٣ - ٣٥٦)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٢٦٨ - ٢٧٤)، و«التلخيص الحبير» لابن حجر (١/ ٢١٣ - ٢٢١).