إعلام الموقعين

وبعضها غير [٣٠٠/ب] محرِّم»، فقد تقدَّم من بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية.

فصل

وأما قوله: «وفرَّق١ بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء»، فقد تقدَّم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال، وأنه على وَفْق الحكمة ورعاية المصلحة.

فصل

وأما قوله: «وفرَّق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة»، فهذا سؤال أورده عبد الله بن الصامت على أبي ذر، وأورده أبو ذر على النبي ﷺ، وأجاب عنه بالفرق المبين٢، فقال: «الكلب الأسود شيطان»٣. وهذا إن أريد به أن الشيطان يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرًا كما هو الواقع فظاهر. وليس بمستنكر٤ أن يكون مرورُ عدوِّ الله بين يدي المصلي قاطعًا لصلاته، ويكون مروره قد جعل تلك الصلاةَ بغيضةً إلى الله مكروهةً له، فيؤمر المصلِّي بأن يستأنفها. وإن كان المراد به أن الكلب الأسود شيطان الكلاب، فإنَّ كلَّ جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين، وهي ما عتَا منها وتمرَّد، كما أن شياطين الإنس عُتاتهم ومتمرِّدوهم، والإبل شياطين

  1. (١) ت: «فرَّق».
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «البيّن».
  3. (٣) أخرجه مسلم (٥١٠) من حديث أبي ذر ﵁.
  4. (٤) ت: «بمستكثر».
396

الأنعام، وعلى ذروة كلِّ بعير شيطان١ = فيكون مرورُ هذا النوع من الكلاب ــ وهو من أخبثها وشرِّها ــ مبغِّضًا لتلك الصلاة إلى الله، فيجب على المصلي أن يستأنفها. وكيف يُستبعد أن يقطع مرورُ العدوِّ [٣٠١/أ] بين الإنسان وبين وليِّه حكمَ مناجاته له، كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهة أو ريح، أو ألقى عليه الغيرُ نجاسةً، أو نوَّمه الشيطان فيها؟

وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي»٢.

وبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرارٌ لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملةً.

فصل

وأما قوله: «وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجَشْوة، فأوجب الوضوء من هذه دون هذه»، فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرَّق بين البلغم الخارج من الفم وبين العَذِرة في ذلك. ومن سوَّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوَّى بين البلغم والعَذِرة. والجشاءُ من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ، ثم تطلب لها منفذًا، فتخرج من الخياشيم، فيحدث العطاس. وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة. ومن سوَّى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحِسّ.

  1. (١) سبق تخريجه.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٤٦١) ومسلم (٥٤١) من حديث أبي هريرة ﵁.
397

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي