الأنعام، وعلى ذروة كلِّ بعير شيطان١ = فيكون مرورُ هذا النوع من الكلاب ــ وهو من أخبثها وشرِّها ــ مبغِّضًا لتلك الصلاة إلى الله، فيجب على المصلي أن يستأنفها. وكيف يُستبعد أن يقطع مرورُ العدوِّ [٣٠١/أ] بين الإنسان وبين وليِّه حكمَ مناجاته له، كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهة أو ريح، أو ألقى عليه الغيرُ نجاسةً، أو نوَّمه الشيطان فيها؟
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي»٢.
وبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرارٌ لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملةً.
فصل
وأما قوله: «وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجَشْوة، فأوجب الوضوء من هذه دون هذه»، فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرَّق بين البلغم الخارج من الفم وبين العَذِرة في ذلك. ومن سوَّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوَّى بين البلغم والعَذِرة. والجشاءُ من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ، ثم تطلب لها منفذًا، فتخرج من الخياشيم، فيحدث العطاس. وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة. ومن سوَّى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحِسّ.
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٤٦١) ومسلم (٥٤١) من حديث أبي هريرة ﵁.
فصل
وأما قوله: «أوجب الزكاة في خمس من الإبل، وأسقطها عن آلاف من الخيل»؛ فلعَمْرُ الله، إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا، كما في «سنن أبي داود»١ من حديث عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال [٣٠١/ب] رسول الله ﷺ: «قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة٢: من كلِّ أربعين درهمًا درهم. وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم».
ورواه سفيان عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي٣.
وقال بقية: حدثني أبو معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يرفعه: «عفوتُ لكم عن صدقة الجَبْهة، والكُسْعَة، والنُّخَّة»٤. قال بقية: الجبهة: الخيل. والكُسْعة: البغال والحمير. والنُّخَّة:
(١) برقم (١٥٧٤). ورواه أحمد (٧١١، ٩١٣)، والترمذي (٦٢٠)، والنسائي (٢٤٧٧، ٢٤٧٨). وصححه ابن خزيمة (٢٢٨٤)، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (٦/ ٤٧)، واختاره الضياء المقدسي (٢/ ١٤٠ - ١٤١).
(٢) هي الورِق، يعني: الفضة.
(٣) رواه أحمد (١٠٩٧)، وابن ماجه (١٧٩٠) من طريق سفيان الثوري به. ورواه ابن ماجه (١٨١٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق به. ورواه ابن وهب في «الجامع» (١٩١) عن السفيانَيْن معًا، ومن طريقه رواه البيهقي (٤/ ١١٨). ويُنظر: «العلل» للدارقطني (٣/ ١٥٧ - ١٦١).
(٤) رواه البيهقي (٤/ ١١٨) من طريق بقية به، وقال: «كذا رواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ، وهو سليمان بن أرقم، متروك الحديث، لا يُحتجّ به، وقد اختُلِف عليه في إسناده؛ فقيل: هكذا. وقيل: عنه، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة». ثمّ خرّجه، وكذا ابن عدي في «الكامل» (٤/ ٢٣٥)، ومحمد بن إبراهيم الجرجاني في «الأمالي» (٣٠٧)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/ ١٨١٧) من طريق أبي عمرو الحراني، عن سليمان بن أرقم كذلك. ورواه أبو داود في «المراسيل» (١١٤، ١١٥) من طريقين عن كثير بن زياد، عن الحسن مرسلا. ورواه أبو عبيد في «غريب الحديث» (١/ ١٢٢ - ١٢٣) من طريق حماد بن زيد، عن كثير بن زياد معضلا. ويُنظر ما في «غريب الحديث» لأبي عبيد (١/ ١٢٤). وقد قال البيهقي (٤/ ١١٨): «أسانيد هذا الحديثِ ضعيفةٌ».