إعلام الموقعين

وأما القطع، فجعله عقوبةَ مثله عدلًا، وعقوبةَ السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد. ولم تبلغ جنايتُه حدَّ العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلةً إلى أذى الناس، وأخذ أموالهم. ولما كان ضررُ المحارب أشدَّ من ضرر [٣٠٧/أ] السارق، وعدوانُه أعظمَ= ضَمَّ إلى قطع يده قطعَ رجله، ليكفَّ عدوانه، وشرَّ يده التي بطش بها، ورجلِه التي سعى بها، وشرَع أن يكون ذلك من خلافٍ، لئلا يفوِّت عليه منفعةَ الشِّقِّ بكماله. فكفَّ ضرره وعدوانه، ورحِمَه بأن أبقى له يدًا من شِقٍّ، ورجلًا من شِقٍّ.

وأما الجَلد، فجعله عقوبة الجناية على الأعراض، وعلى العقول، وعلى الأبضاع. ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يُوجِب القتل ولا إبانة طرف؛ إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضها في البِكْر شدةُ الداعي وعدمُ المعوَّض١، فانتهض ذلك المعارض سببًا لإسقاط القتل. ولم يكن الجلد وحده كافيًا في الزجر، فغلَّظ بالنفي والتغريب، ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجُره عن المعاودة.

وأما الجناية على العقول بالسكر، فكانت مفسدتها لا تتعدَّى السكران غالبًا. ولهذا لم يحرَّم السكرُ في أول الإسلام، كما حُرِّمت الفواحش والظلم والعدوان في كلِّ ملة وعلى لسان كلِّ نبي. وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدَّرة من الشارع، بل ضرَب فيها بالأيدي والنعال وأطراف الثياب والجريد، وضرَب فيها

  1. (١) أثبت في المطبوع: «العوض».
410

أربعين١. فلما استخفَّ الناسُ بأمرها وتتابعوا٢ في ارتكابها غلَّظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي أُمِرنا باتباع سنته، وسنتُه من سنة [٣٠٧/ب] رسول الله ﷺ؛ فجعلها ثمانين بالسوط٣، ونفَى فيها، وحلَق الرأس٤.

وهذا كلُّه من فقه السنة، فإن النبي ﷺ أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة٥، ولم ينسخ

  1. (١) روى البخاري (٦٧٧٣، ٦٧٧٦) ومسلم (١٧٠٦) من حديث أنس أن النبي ﷺ ضرب بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، وعند مسلم: جلد النبي ﷺ بجريدتين نحو أربعين، وفعله أبو بكر. ورواه البخاري (٣٨٧٢) ومسلم (١٧٠٧) أيضًا من حديث عثمان بن عفان في قصة جلد الوليد بن عقبة أنه ضربه أربعين، وقال في رواية مسلم: «جلد النبي ﷺ اربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إليّ (أي ضرب أربعين). وانظر: «فتح الباري» (٧/ ٥٧).
  2. (٢) كذا بالباء الموحدة في النسخ الخطية والمطبوعة. وكذا ضبط ابن أبي جعفر في حديث مسلم (١٤٧٢). والجمهور ضبطوه بالياء المثناة من تحت. انظر: «مشارق الأنوار» (١/ ١١٩).
  3. (٣) قد غلّظها عمر بن الخطاب ﵁ بعد استشارة كبار الصحابة، ففي «صحيح مسلم» (١٧٠٦) أن من أشار إليه أن تُجعل أخف الحدود وهو ضرب ثمانين: عبد الرحمن بن عوف، وكذلك في «الترمذي» (١٤٤٣). وأما في «الموطأ» (٢/ ٨٤٢) أنه علي بن أبي طالب وعلله بقوله: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. قال ابن عبد البر في «الاستذكار- ط التركي»: هذا حديث منقطع من رواية مالك، وقد روي متصلًا من حديث ابن عباس، ذكره الطحاوي في «أحكام القرآن». وانظر: «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
  4. (٤) سبق تخريجه.
  5. (٥) رواه أحمد (٧٧٦٢، ٧٩١١، ١٠٧٢٩)، وأبو داود (٤٤٨٤)، وابن ماجه (٢٥٧٢)، والنسائي (٥٦٦٢) وفي «السنن الكبرى» (٥٢٧٧) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وصححه ابن حبان (٢٤٥٥)، والحاكم (٤/ ٣٧١). ورواه أحمد (١٦٨٤٧)، وأبو داود (٤٤٨٢)، والترمذي (١٤٤٤)، وابن ماجه (٢٥٧٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥٢٧٨، ٥٢٧٩، ٥٢٨٠) من حديث معاوية مرفوعا، وصححه ابن حبان (١٤٤٦). ويُنظر: «المسند» لأحمد (٦١٩٧، ٧٠٠٣، ١٩٤٦٠، ٢٣١٣٠)، و«السنن» لأبي داود (٤٤٨٣، ٤٤٨٥)، و«السنن الكبرى» للنسائي (٥٢٨١ - ٥٢٨٤)، و«المجتبى» له (٥٦٦١)، و«المسند الصحيح» لابن حبان (١٤٤٥)، و«المستدرك» للحاكم (٤/ ٣٧١ - ٣٧٣).
411

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي