ذلك١، ولم يجعله حدًّا لا بدَّ منه؛ فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة. فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل.
فصل
وأما تغريم المال ــ وهو العقوبة المالية ــ فشرعها في مواضع. منها: تحريق متاع الغالِّ من الغنيمة٢. ومنها: حرمان سهمه. ومنها: إضعاف الغُرم على سارق الثمار المعلَّقة. ومنها: إضعافه على كاتم الضالَّة الملتقَطة. ومنها: أخذُ شطر مال مانع الزكاة. ومنها: عزمه على تحريق دُورِ من لا يصلي في الجماعة لو لا ما منَعه من إنفاذه ما عزَم عليه، من كون الذرية والنساء فيها٣، فتتعدَّى
(١) في حاشية ح نقل بعض القراء كلام شيخ الإسلام على الحديث المذكور، وهو في «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢١٩) ومنه قوله: «وهو ثابت عند أهل الحديث، لكن أكثر العلماء يقولون: هو منسوخ. وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل. ومنهم من يقول: بل حكمه باقٍ. وقيل: بل الوجوب منسوخ والجواز باقٍ». ثم بيَّن المحشِّي قول ابن القيم، غير أن آخر حاشيته لم يتضح في الصورة.
(٢) سبق تخريجه وتخريج ما بعده.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٤) ومسلم (٦٥١) من حديث أبي هريرة ﵁ من غير ذكر الذرية والنساء. وورد ذكرهم في حديثه الذي أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٨٧٩٦).
العقوبة إلى غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل. ومنها: عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلَب القتيل لمن قتله، حيث شفع فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبةً للشافع الآمر١.
وهذا الجنس من العقوبات نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط. فالمضبوط ما قابل المتلَفَ، إما لحقِّ الله كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحقِّ الآدمي كإتلاف ماله. وقد نبَّه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمِّن للعقوبة بقوله: ﴿﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ [٣٠٨/أ] أَمْرِهِ﴾. ومنه: مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمُورِثه٢ بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبَّر إذا قتَل سيِّدَه ببطلان تدبيره، وعقوبة الموصَى له ببطلان وصيته. ومن هذا الباب: عقوبة الزوجة الناشز٣ بسقوط نفقتها وكسوتها.
وأما النوع الثاني غير المقدَّر، فهو الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح. ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمرٍ عامٍّ وقدرٍ لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود. ولهذا اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح، ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كلِّ زمان ومكان بحسب المصلحة، إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومَن بعدهم من الأئمة.
(١) يشير إلى قصة عوف بن مالك وخالد بن الوليد. أخرجها مسلم (١٧٥٣) من حديث عوف.