كان مباحًا في الأصل وحُرِّم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام. وطردُ هذا ــ وهو الصحيح ــ وجوبُ الكفارة في وطء الحائض. وهو موجَب القياس لو لم تأت الشريعة به١، فكيف وقد جاءت به مرفوعة وموقوفة؟٢
وعكسُ هذا: الوطء في الدبر، لا٣ كفارة فيه. ولا يصح قياسه على الوطء في الحيض، لأن هذا الجنس لم يُبَح قط، ولا تعمل فيه الكفارة. ولو وجبت فيه الكفارة لوجبت في الزنا واللواط بطريق الأولى. فهذه قاعدة الشارع في الكفارات، وهي في غاية المطابقة للحكمة والمصلحة.
فصل
وكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة، كما لم يعذِّبهم في الآخرة إلا بعد إقامة [٣٠٩/أ] الحجة عليهم. وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار، أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان؛ فإن من قامت عليه شواهد الحال بالجناية،
(١) «به» من ع.
(٢) رواه أحمد (٣٤٧٣)، وأبو داود (٢٦٤، ٢١٦٨) والترمذي (١٣٦، ١٣٧)، وابن ماجه (٦٤٠، ٦٥٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢٧٨، ٩٠٥٠ - ٩٠٥٣، ٩٠٥٥، ٩٠٥٦، ٩٠٥٨، ٩٠٥٩، ٩٠٦٠، ٩٠٦٤، ٩٠٦٥، ٩٠٦٨) من حديث ابن عباس مرفوعا، وفي سنده ومتنه اختلافٌ كثيرٌ منتشرٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (٩٠٥٤، ٩٠٥٧، ٩٠٦١، ٩٠٦٢، ٩٠٦٣، ٩٠٦٦، ٩٠٦٧، ٩٠٦٨)، و«السنن الكبير» للبيهقي (١/ ٣١٤ - ٣١٨)، و«شرح السنة» لأبي محمد البغوي (٢/ ١٢٨)، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (١/ ٣٩٥ - ٣٩٩)، و«تعليقته على العلل» لابن أبي حاتم (ص ١٠٨ - ١١٩).
(٣) في النسخ المطبوعة: «ولا».
كرائحة الخمر وقيئها، وحبَل من لا زوج لها ولا سيِّد، ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه= أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادةُ إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب. وهذا متفق عليه بين الصحابة، وإن نازع فيه بعض الفقهاء. وإما أن تكون الحجة من خارجٍ عنهم، وهي البينة. واشترط فيها العدالة وعدم التهمة، فلا أحسن في العقول والفِطَر من ذلك، ولو طُلِب منها الاقتراح لم تقترح أحسنَ من ذلك ولا أوفقَ منه للمصلحة.
فإن قيل: كيف تدَّعون أن هذه العقوبات لاصقة بالعقول موافقة للمصالح، وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر بالله أفظع ولا أقبح من سفك الدماء، فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه؟ وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة؟ ثم لو كان ذلك مستحسنًا لكان أولى أن يُحرَّقَ ثوبُ مَن حرَّق١ ثوبَ غيره، وأن يُذبَح حيوانُ مَن ذبَح حيوانَ غيره، وأن تُخرَّب دارُ مَن خرَّب دارَ غيره، وأن تُجوِّزوا لمن شُتِم أن يشتُم شاتمَه. وما الفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتلِ مَن قتلَ غيره أو قطعِ من قطَعه؟ وإذا كان إراقة الدم الأول٢ مفسدةً وقطعُ الطَّرَف كذلك، فكيف زالت [٣٠٩/ب] تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقطع الطرف الثاني؟ وهل هذا إلا مضاعفة للمفسدة وتكثير لها؟ ولو كانت المفسدة الأولى تزول بهذه المفسدة الثانية لكان فيه ما فيه، إذ كيف تُزال مفسدةٌ بمفسدة نظيرها من كلِّ وجه؟ فكيف والأُولى لا سبيل إلى إزالتها؟ وتقرير ذلك بما ذكرناه من عدم إزالة مفسدة تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها. ثم كيف