إعلام الموقعين

كان زيادةً في إضاعة المال. وما يراد من التشفِّي وإذاقة الجاني ألمَ الإتلاف فحاصلٌ بالغرم غالبًا، ولا التفاتَ إلى الصور النادرة التي لا يتضرَّر الجاني فيها بالغُرم. ولا شك أن هذا أليق بالعقل، وأبلغ في الصلاح، وأوفق للحكمة.

وأيضًا فإنه لو شرع القصاص في الأموال ردعًا للجاني لبقي جانبُ المجني عليه غيرَ مُراعًى، بل يبقى متألّمًا موتورًا غيرَ مجبور، والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا.

فإن قيل: فخيِّروا المجنيَّ عليه بين أن يغرِّم الجاني أو يُتلف عليه نظيرَ ما أتلفه هو، كما خيَّرتموه في الجناية على طرفه، وخيَّرتم أولياء القتيل بين إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية.

قيل: لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس. وإنما هو زيادة فساد، لا مصلحة فيه، لمجرَّد١ التشفِّي، ويكفي تغريمه وتعزيره في التشفِّي. والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر، فإن الجناية على النفوس والأعضاء تُدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجنيِّ عليه وأوليائه ما لا تُدخله جنايةُ المال، وتُدخل٢ عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحميَّة والتحرُّق٣ لأخذ الثأر ما لا يجبُره المال أبدًا، حتى إن أولادهم وأعقابهم لَيعيَّرون بذلك. ولأولياء القتيل من القصد في

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «بمجرد»، تصحيف.
  2. (٢) أهمل حرف المضارع فيما عدا ف. وفي النسخ المطبوعة: «ويدخل».
  3. (٣) في المطبوع: «التحزُّق» بالزاي، تصحيف.
423

[٣١٣/أ] القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجنيِّ عليه وأوليائه ما ليس لمن حُرِّق ثوبُه أو عُقرت فرسُه. والمجنيُّ عليه موتور هو وأولياؤه، فإن لم يوتَر الجاني وأولياؤه ويجرَّعوا من الألم والغيظ ما تجرَّعه١ الأول لم يكن عدلًا.

وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثأره وشفاء غيظه، كقول قائلهم٢ يهجو مَن أخذ الدية من الإبل:

وإنَّ الذي أصبحتُمُ تحلُبونهدمٌ غيرَ أنَّ اللونَ ليس بأشقرا٣

وقال جرير يعيِّر مَن أخذ الدية، فاشترى بها نخلًا:

ألا أبلغ بني حُجْرِ بن وهبٍبأنَّ التمرَ حلوٌ في الشتاء٤

وقال آخر٥:

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «يجرعه»، تصحيف.
  2. (٢) هو خالد بن علقمة ابن الطَّيفان، حليف بني عبد الله بن دارم، من شعراء الدولة الأموية. انظر خبره مع سويد بن كراع العكلي في «الأغاني» (١٢/ ٣٤٥).
  3. (٣) من أربعة أبيات في «الحيوان» (٣/ ١٠٥) و«الوحشيات» (ص ٨١). والصواب في قافيته: «بأحمرا»، أما القافية المذكورة هنا فقد جاءت في بيت آخر من هذه الأبيات:
    إذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم ... رأوا لونه في القعب وردًا وأشقرا
  4. (٤) مع بيت آخر في «أنساب الأشراف» (١٢/ ٢٢١) و«الأغاني» (٨/ ٢١) ومنهما في «ديوان جرير» (٢/ ١٠١٩). والبيت مع تفسيره في «المعاني الكبير» لابن قتيبة (٢/ ١٠١٩) وروايته: «... بني وهب رسولًا».
  5. (٥) هو جرير أيضًا والبيت من ثلاثة أبيات في ديوانه (٢/ ٧٩٦) و«الوحشيات» (ص ١١٥). وهو دون عزو في «المعاني الكبير» (٢/ ١٠١٩).
424

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي