إعلام الموقعين

التخفيف ما يناسبها. فإن كانت مشقة مرض وألم يضرُّ به جاز معها الفطر والصلاة قاعدًا أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد. وإن كانت مشقة تعب فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة. فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد الله ومنِّه.

فصل

وأما قوله: «وأوجب على من نذَر لله طاعةً الوفاءَ بها، وجوَّز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفِّر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلَها لله»، فهذا السؤال يورَد على وجهين:

أحدهما: أن يحلف لَيفعلنَّها، نحو أن يقول: والله لأصومنَّ الاثنين والخميس، ولأتصدَّقَنَّ، [٣١٧/ب] كما يقول: لله عليَّ أن أفعل ذلك.

والثاني: أن يحلف بها، كما يقول: إن كلمتُ فلانًا فلله عليَّ صومُ سنةٍ وصدقةُ ألفٍ.

فإن أورد على الوجه الأول، فجوابه أن الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه لله عن أربعة أقسام:

أحدها: التزامٌ بيمين مجرَّدة.

الثاني: التزام بنذر مجرَّد.

الثالث: التزام بيمين مؤكَّدة بنذر.

الرابع: التزام بنذر مؤكَّد بيمين.

434

فالأول نحو قوله: «والله لأتصدقن». والثاني نحو: «لله عليَّ أن أتصدَّق». والثالث نحو: «والله إن شفى الله مريضي فعليَّ صدقةُ كذا». والرابع نحو: «إن شفى الله مريضي فوالله لأتصدَّقنَّ». وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥]. فهذا نذرٌ مؤكَّد بيمين، وإن لم يقل فيه «فعليَّ»، إذ ليس ذلك من شرط النذر. بل إذا قال: إن سلَّمني الله تصدقتُ، أو لأتصدَّقَنَّ، فهو وعد وعده الله، فعليه أن يفي به، وإلا دخل في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧].

فوعدُ العبد ربَّه نذرٌ يجب عليه أن يفي له به، فإنه جعله جزاءً وشكرًا له على نعمته عليه، فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات، وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداءً: «لله عليَّ كذا»، فإن هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك، والأول تعليقٌ بشرط، وقد وُجِد، فيجب فعلُ المشروط عنده لالتزامه له بوعده. [٣١٨/أ] فإن الالتزام تارةً يكون بصريح الإيجاب، وتارةً يكون بالوعد، وتارةً يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة. والالتزامُ بالوعد آكدُ من الالتزام بالشروع، وآكدُ من الالتزام بصريح الإيجاب؛ فإن الله سبحانه ذمَّ من خالف ما التزمه١ له بالوعد، وعاقبه بالنفاق في قلبه، ومدَح مَن وفى بما نذره له، وأمرَ بإتمام ما شرع فيه له٢ من الحج والعمرة. فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام الثلاثة، وإخلافه يُعقِب النفاقَ في القلب.

  1. (١) ف: «التزم».
  2. (٢) ف: «له فيه». و«له» ساقط من ت.
435

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي