إعلام الموقعين

وأما إذا حلف يمينًا مجرَّدةً لَيفعلنَّ كذا، فهذا حضٌّ منه لنفسه، وحثٌّ على فعله باليمين، وليس إيجابًا عليها. فإن اليمين لا توجب شيئًا ولا تحرِّمه، ولكن الحالف عقَد اليمين بالله لَيفعلنَّه، فأباح الله سبحانه له حلَّ ما عقَده بالكفارة، ولهذا سمَّاها١ «تحِلَّة»، فإنها تَحُلُّ عقدَ اليمين، وليست رافعةً لإثم الحنث، كما يتوهَّمه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب. وإن كان مباحًا، فالشارع لا يبيح٢ سببَ الإثم، وإنما شرعها الله حلًّا لعقد اليمين، كما شرع٣ الاستثناء مانعًا من عقدها.

فظهر الفرق بين ما التزم لله، وبين ما التزم بالله. فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يخيَّر فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك.

وسرُّ هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به؛ فإن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته. فالأول من أحكام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والثاني من أحكام ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسيم٤ الله من هاتين الكلمتين، و﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسيم العبد، كما في الحديث الصحيح الإلهي: «هذه بيني وبين عبدي نصفين»٥. وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على

  1. (١) في النسخ المطبوعة زيد بعده لفظ الجلالة.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «لم يبح».
  3. (٣) زيد بعده لفظ الجلالة في النسخ المطبوعة.
  4. (٤) القسيم: الحظ والنصيب. وفي ت، ع: «قسم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  5. (٥) أخرجه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
436

الوجه الثاني، وهو١ أنَّ ما نذرَه لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يخيَّر بين الوفاء به وبين التكفير؛ لأن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته؛ فوجب الوفاء بالقسم الأول، ويخيَّر الحالف في القسم الثاني. وهذا من أسرار الشريعة، وكمالها وعظمتها.

ويزيد ذلك وضوحًا: أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصدُه أن لا تكون. ولكراهيته٢ للزومها له حلَف بها، فقصدُه أن لا يكون الشرط فيها ولا الجزاء، ولذلك يسمَّى نذرَ اللَّجاج والغضب. فلم يُلزمه الشارعُ به إذا كان غير مريد له ولا متقرِّب به إلى الله. فلم يعقدِه لله، وإنما عقَده به، فهو يمين محضة. فإلحاقُه بنذر القربة إلحاقٌ له بغير شِبْهِه، وقطعٌ له عن الإلحاق بنظيره. وعذرُ من ألحقه بنذر القربة شَبَهُه به في اللفظ والصورة، ولكن الملحقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني. وقد اتفق الناس على أنه لو قال: «إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني»، فحنَث أنه لا يكفر بذلك٣؛ لأنَّ قَصْدَ اليمين منَعَ من الكفر.

وبهذا وغيره احتجَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية على أن [٣١٩/أ] الحلف بالعتاق والطلاق٤ كنذر اللَّجاج والغضب، وكالحلف بقوله: «إن فعلتُ فأنا يهودي أو نصراني»٥، وحكاه إجماعَ الصحابة في العتق، وحكاه غيرُه

  1. (١) «هو» ساقط من النسخ المطبوعة.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «ولكراهته».
  3. (٣) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «إن قصد اليمين».
  4. (٤) في النسخ المطبوعة: «بالطلاق والعتاق».
  5. (٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٤١).
437

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي