قال: لأنه قد صحَّ عن علي بن أبي طالب ولا يُعرَف له في الصحابة مخالف، ذكره ابن بَزيزة في «شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي»١. فاجتهد خصومه٢ في الردِّ عليه بكلِّ ممكن، وكان حاصل ما ردُّوا به قوله أربعة أشياء:
أحدها ــ وهو عمدة القوم ــ: أنه خلافُ مرسومِ السلطان.
الثاني٣: أنه خلاف الأئمة الأربعة.
الثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: «إن أبرأتني فأنت طالق»، ففعلت.
الرابع: أن العمل قد استمرَّ على خلاف هذا القول، فلا يُلتفت إليه.
فنقض حججهم، وأقام نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول. وصنَّف في المسألة قريبًا من ألف ورقة٤، ثم مضى لسبيله راجيًا من الله أجرًا أو أجرَين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون.
(١) وهو «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام»، وقد نقل المصنف كلام ابن بزيزة فيما تقدم.
(٢) يعني: خصوم شيخ الإسلام.
(٣) زيد في النسخ المطبوعة واو العطف قبل «الثاني» و«الثالث» و«الرابع».
(٤) وسيأتي قول المصنف: «وصنَّف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة. وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها ... زهاءَ أربعين دليلًا ...». وانظر مقدمة التحقيق لكتاب «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» (ص ٥٢).
فصل
وأما قوله١: «وحرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وأباح الضبع ولها ناب»، فلا ريب أنه حرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وإن كان بعضُ العلماء خفي عليه تحريمه، فقال بمبلغ علمه. وأما الضبع فرُوي عنه فيها حديثٌ صحَّحه كثيرٌ من أهل العلم بالحديث، فذهبوا إليه، وجعلوه مخصِّصًا لعموم أحاديث التحريم، [٣١٩/ب] كما خُصَّت العرايا لأحاديث المزابنة. وطائفة لم تصحِّحه، وحرَّموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب. قالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالنهي عن أكلِ كلِّ ذي ناب من السباع، وصحَّت صحةً لا مطعن فيها من حديث علي٢، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشَني٣.
قالوا: وأما حديث الضبع، فتفرَّد به عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديثُ تحريم ذوات الأنياب كلُّها تخالفه.
قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابرٌ رفع الأكلَ إلى النبي ﷺ، وأن يكون إنما رفَع إليه كونَها صيدًا فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جوازُ أكلها، فظنَّ جابرٌ أن كونَها صيدًا يدل على أكلها، فأفتى به من
(١) ع، ت: «قولهم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) رواه عبد الرزاق (٢١٨، ٢١٩)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على «المسند» لأبيه (١٢٥٤)، وأبو يعلى في «المسند» (٣٥٧)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٩/ ٩٩)، وسنده ضعيف. ويُغني عنه الأحاديث الصحيحة التالية.
(٣) رواه مسلم (١٩٣٤، ١٩٣٣، ١٩٣٢) ولاءً عن هؤلاء الثلاثة، ورواه أيضًا البخاري (٥٥٣٠) عن أبي ثعلبة.