ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبيَّن ما ذكرناه. فروى الترمذي في «جامعه»١ من حديث [عبد الله بن]٢ عبيد بن عمير الليثي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار أنه قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكلُ الضبعَ؟ قال: نعم. قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعتَ ذلك من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال الترمذي٣: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.
وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونُها صيدًا. ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن [عبد الله بن] عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الضبع، فقال: «هي صيد، وفيها كبش»٤.
(١) برقمي (٨٥١، ١٧٩١) وصححه. ورواه أحمد (١٤٤٢٥، ١٤٤٤٩)، وابن ماجه (٣٢٣٦)، والنسائي (٢٨٣٦، ٤٣٢٣). ... وصححه أيضًا ابن خزيمة (٢٦٤٥)، وابن حبان (٤٤٥٩)، وجوّده البيهقي (٥/ ١٨٣)، وحسنه الجوزقاني في «الأباطيل» (٢/ ٢٦٦). ويُوازَنُ بما في «بيان المشكل» للطحاوي (٩/ ٩٥ - ٩٩)، و«العلل» للدارقطني (٢/ ٩٧)، و«مسند الفاروق» لابن كثير (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦).
(٢) ما بين الحاصرتين زيادة من مصادر التخريج، وهو ساقط من النسخ هنا وفيما يأتي أيضًا.
(٣) في «العلل الكبير» (٥٥١ - ترتيبه).
(٤) رواه أبو داود (٣٨٠١)، وابن ماجه (٣٠٨٥). وصححه ابن خزيمة (٢٦٤٦)، وابن حبان (٤٤٥٨)، والحاكم (١/ ٤٥٢). ويُوازَنُ بما في «الكامل» لابن عدي (٢/ ٣٤٤).
قالوا: [٣٢٠/أ] وكذلك حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر يرفعه: «الضبع صيد، فإذا أصابه المُحرِم ففيه جزاء كبش مُسِنّ، ويؤكل»١. قال الحاكم: حديث صحيح.
وقوله: «ويؤكل» يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم.
قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة، ادعى الطحاويُّ٢ وغيرُه تواترَها، فلا يقدَّم حديثُ جابر عليها.
قالوا: والضبع من أخبَثِ الحيوان وأشرَهِه، وهو مغرًى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسِر بنابه.
قالوا: والله سبحانه قد حرَّم علينا الخبائث، وحرَّم رسولُ الله ﷺ ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا.
وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيدٌ يُفدَى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلُها.
(١) رواه ابن خزيمة (٢٦٤٨)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٩/ ٩٧)، وفي «شرح المعاني» (٢/ ١٦٤)، وابن عدي (٣/ ٢٥٦، ٤/ ٥٧)، والدارقطني (٢٥٣٩)، والحاكم (١/ ٤٥٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٨٣، ٩/ ٣١٩) وفي «معرفة السنن والآثار» (٧/ ٢٥٥).