قالوا: [٣٢٠/أ] وكذلك حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر يرفعه: «الضبع صيد، فإذا أصابه المُحرِم ففيه جزاء كبش مُسِنّ، ويؤكل»١. قال الحاكم: حديث صحيح.
وقوله: «ويؤكل» يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم.
قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة، ادعى الطحاويُّ٢ وغيرُه تواترَها، فلا يقدَّم حديثُ جابر عليها.
قالوا: والضبع من أخبَثِ الحيوان وأشرَهِه، وهو مغرًى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسِر بنابه.
قالوا: والله سبحانه قد حرَّم علينا الخبائث، وحرَّم رسولُ الله ﷺ ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا.
وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيدٌ يُفدَى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلُها.
(١) رواه ابن خزيمة (٢٦٤٨)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٩/ ٩٧)، وفي «شرح المعاني» (٢/ ١٦٤)، وابن عدي (٣/ ٢٥٦، ٤/ ٥٧)، والدارقطني (٢٥٣٩)، والحاكم (١/ ٤٥٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٨٣، ٩/ ٣١٩) وفي «معرفة السنن والآثار» (٧/ ٢٥٥).
(٢) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٩٠).
وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن مُحْرِم قتل ثعلبًا، فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل١.
وقال جعفر بن محمد: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سَبُع؛ فقد نصَّ على أنه سَبُع، وأنه يُفدَى في الإحرام.
ولما جعل النبيُّ ﷺ في الضبع كبشًا ظنَّ جابر أنه يؤكل، فأفتى به.
والذين صححوا الحديث جعلوه مخصِّصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرُم أكلُ كلِّ ذي ناب٢ من [٣٢٠/ب] السباع إلا الضبع. وهذا لا يقع مثلُه في الشريعة أن يخصص مِثلًا على مِثلٍ من كلِّ وجه من غير فرقان بينهما. وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني: شريعة التنزيل، لا شريعة التأويل.
ومن تأمل ألفاظه ﷺ الكريمة تبيَّن له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرَّم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية. ولا ريب أن السِّباع أخصُّ من ذوات الأنياب. والسبعُ إنما حرِّم لما فيه من القوة السبعية التي تُورث المغتذيَ بها شبهَها؛ فإن الغاذي شبيه بالمغتذى. ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية
(١) لم أقف على هذه الرواية ولا التي تليها، ولكن رواية عبد الله في معناها. انظر: «مسائله» (ص ٢٧٠). وانظر: «الروايتين والوجهين» (١/ ٣٠١) و(٣/ ٢٨) و«رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٢/ ١٦٨٦).
(٢) «من غير فرق ... ذي ناب» ساقط من ح، ف لانتقال النظر.