وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن مُحْرِم قتل ثعلبًا، فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل١.
وقال جعفر بن محمد: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سَبُع؛ فقد نصَّ على أنه سَبُع، وأنه يُفدَى في الإحرام.
ولما جعل النبيُّ ﷺ في الضبع كبشًا ظنَّ جابر أنه يؤكل، فأفتى به.
والذين صححوا الحديث جعلوه مخصِّصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرُم أكلُ كلِّ ذي ناب٢ من [٣٢٠/ب] السباع إلا الضبع. وهذا لا يقع مثلُه في الشريعة أن يخصص مِثلًا على مِثلٍ من كلِّ وجه من غير فرقان بينهما. وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني: شريعة التنزيل، لا شريعة التأويل.
ومن تأمل ألفاظه ﷺ الكريمة تبيَّن له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرَّم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية. ولا ريب أن السِّباع أخصُّ من ذوات الأنياب. والسبعُ إنما حرِّم لما فيه من القوة السبعية التي تُورث المغتذيَ بها شبهَها؛ فإن الغاذي شبيه بالمغتذى. ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية
(١) لم أقف على هذه الرواية ولا التي تليها، ولكن رواية عبد الله في معناها. انظر: «مسائله» (ص ٢٧٠). وانظر: «الروايتين والوجهين» (١/ ٣٠١) و(٣/ ٢٨) و«رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (٢/ ١٦٨٦).
(٢) «من غير فرق ... ذي ناب» ساقط من ح، ف لانتقال النظر.
بينهما في التحريم. ولا تُعَدُّ الضبعُ من السباع لغةً ولا عرفًا. والله أعلم.
فصل
وأما قوله: «وجعل شهادةَ خزيمة بن ثابت بشهادتين، دون غيره ممن هو أفضل منه»، فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده ﷺ أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين. وهذا التخصيص إنما كان لمخصِّص اقتضاه، وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله ﷺ أنه قد بايع الأعرابي. وكان [٣٢١/أ] فرض على كلِّ من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله ﷺ قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه ﷺ، وهذا مستقِرٌّ عند كلِّ مسلم، ولكن خزيمة تفطَّن لدخول هذه القضية المعيَّنة تحت عموم الشهادة بصدقه١ في كلِّ ما يخبر به؛ فلا فرق بين ما يُخبِر به عن الله وبين ما يُخبِر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا، ولا يتمُّ الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا. فلما تفطَّن خزيمة دون من حضر لذلك استحقَّ أن تُجعل شهادتُه بشهادتين.
فصل
وأما تخصيصه أبا بُردة بن نِيار بإجزاء التضحية بالعَناق، دون من بَعده، فلموجِب أيضًا. وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولًا غيرَ عالمٍ بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبيُّ ﷺ أن تلك ليست بأُضحية، وإنما هي شاةُ لحم، أراد إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عَناقٌ هي أحبُّ إليه من شاتَي لحم، فرخَّص له في التضحية بها لكونه معذورًا، وقد تقدَّم منه ذبحٌ تأوَّلَ فيه، وكان معذورًا