إعلام الموقعين

بينهما في التحريم. ولا تُعَدُّ الضبعُ من السباع لغةً ولا عرفًا. والله أعلم.

فصل

وأما قوله: «وجعل شهادةَ خزيمة بن ثابت بشهادتين، دون غيره ممن هو أفضل منه»، فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده ﷺ أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين. وهذا التخصيص إنما كان لمخصِّص اقتضاه، وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله ﷺ أنه قد بايع الأعرابي. وكان [٣٢١/أ] فرض على كلِّ من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله ﷺ قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه ﷺ، وهذا مستقِرٌّ عند كلِّ مسلم، ولكن خزيمة تفطَّن لدخول هذه القضية المعيَّنة تحت عموم الشهادة بصدقه١ في كلِّ ما يخبر به؛ فلا فرق بين ما يُخبِر به عن الله وبين ما يُخبِر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا، ولا يتمُّ الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا. فلما تفطَّن خزيمة دون من حضر لذلك استحقَّ أن تُجعل شهادتُه بشهادتين.

فصل

وأما تخصيصه أبا بُردة بن نِيار بإجزاء التضحية بالعَناق، دون من بَعده، فلموجِب أيضًا. وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولًا غيرَ عالمٍ بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبيُّ ﷺ أن تلك ليست بأُضحية، وإنما هي شاةُ لحم، أراد إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عَناقٌ هي أحبُّ إليه من شاتَي لحم، فرخَّص له في التضحية بها لكونه معذورًا، وقد تقدَّم منه ذبحٌ تأوَّلَ فيه، وكان معذورًا

  1. (١) ع: «لصدقه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
443

بتأويله. وذلك كلُّه قبل استقرار الحكم، فلما استقرَّ الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر. وبالله التوفيق.

فصل

وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار، ففي غاية المناسبة والحكمة. فإنَّ الليل مظنّةُ هدوء الأصوات، وسكون الحركات، وفراغ القلوب، واجتماع الهمم المشتَّتة [٣٢١/ب] بالنهار. فالنهارُ محلُّ السَّبح الطويل بالقلب والبدن، والليلُ محلُّ مواطأةِ القلب للسان، ومواطأةِ اللسان للأذن.

ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات. وكان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بالستِّين إلى المائة١، وكان الصدِّيق يقرأ فيها بالبقرة٢، وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور٣؛ لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم، فإذا كان أولَ ما

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٤١) ومسلم (٤٦١) من حديث أبي برزة.
  2. (٢) رواه مالك (٢٧٠)، وعنه الشافعي في «الأم» (٨/ ٥٦٦) ــ ومن طريقهما البيهقي (٢/ ٣٨٩) ــ، وعبد الرزاق (٢٧١١، ٢٧١٣)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٥)، والطحاوي في شرح «معاني الآثار» (١/ ١٨٢). ويُنظر: «الإمام» لابن دقيق العيد (٤/ ٥٤ - ٥٨).
  3. (٣) يُنظر: «الموطأ» لمالك (٢٧١)، و«المصنف» لعبد الرزاق (٢٧٠٩، ٢٧١٠، ٢٧١٥، ٢٧١٦، ٢٧١٨، ٢٧٢٤)، و«المصنف» لابن أبي شيبة (٣٥٦٦ - ٣٥٦٩)، و«صحيح البخاري»، كتاب الصلاة، باب الجمع بين السورتين في الركعة، و«شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ١٨٠ - ١٨١)، و«فضائل القرآن» للمستغفري (٧١٨)، و«السنن الكبير» للبيهقي (٢/ ٣٨٩).
444

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي