لا يمكِّن هذا الشريكَ من نقل نصيبه إلى غير شريكه، وأن يُلحِق به من الضرر مثلَ ما كان عليه أو أزيد منه، مع أنه لا مصلحة له في ذلك.
وأما الآثار، فقد جاءت بهذا وهذا. ولو قُدِّر عدمُ صحتها بالشفعة في المنقول، فهي لم تنفِ ذلك، بل نبَّهَتْ عليه كما ذكرنا.
وأما تأبُّد الضرر وعدمه، ففرقٌ فاسدٌ؛ فإن من المنقول ما يكون تأبُّده كتأبُّد العقار، كالجوهرة والسيف والكتاب والبئر. وإن لم يتأبَّد ضررُه مدى الدهر، فقد يطول [٣٢٥/أ] ضرره كالعبد والجارية. ولو بقي ضرره مدةً فإن الشارع مريدٌ لدفع الضرر بكلِّ طريق، ولو قصرت مدته.
وأما تفريقكم بكثرة الضرر في العقار وقلَّته في المنقول، فلَعمرُ الله إن الضرر في العقار يكثر من تلك الجهات، ولكن يمكن رفعه بالقسمة، وأما الضرر في المنقول فإنه لا يمكن رفعُه بقسمته. على أن هذا منتقض بالأرض الواسعة التي ليس فيها شيء مما ذكرتم.
فصل
وقالت طائفة ثالثة: بل الضرر الذي قصد الشارع رفعَه هو ضررُ سوء الجوار والشركة في العقار والأرض، فإن الجار قد يسيء الجوار غالبًا أو كثيرًا، فيُعلي الجدار، ويتتبَّع١ العثار، ويمنع الضوء، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ويؤذي جاره بأنواع الأذى، ولا يأمن٢ بوائقه؛ وهذا مما يشهد به الواقع.
(١) ع: «يتسع»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «يتبع».
(٢) ع: «ولا يأمن جاره»، وكذا في النسخ المطبوعة.
وأيضًا فالجار١ له من الحرمة والحقِّ والذمام ما جعله الله له في كتابه، ووصَّى به جبريلُ رسولَ الله ﷺ غاية الوصية٢، وعلَّق النبيُّ ﷺ الإيمان بالله واليوم الآخر بإكرامه٣.
وقال الإمام أحمد: الجيران ثلاثة: جار له حقّ، وهو الذمي الأجنبي، له حقُّ الجوار. وجار له حقَّان، وهو المسلم الأجنبي، له حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام. وجار له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب، له حقُّ الإسلام وحقُّ الجوار٤ وحقُّ القرابة٥.
ومثل هذا٦ لم يَرِد في الشريك، فأدنى المراتب مساواتُه به فيما يندفع به الضرر، لا سيما والحكم بالشفعة ثبت في الشركة [٣٢٥/ب] لإفضائها إلى ضرر المجاورة، فإنهما إذا اقتسما تجاورا.
قالوا: ولهذا٧ اختصَّت بالعقار دون المنقولات، إذ المنقولات لا تتأتَّى فيها المجاورة. فإذا ثبتت في الشركة في العقار لإفضائها إلى
(١) في المطبوع: «فإن الجار».
(٢) يشير إلى قول النبي ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار» الحديث. أخرجه البخاري (٦٠١٥) ومسلم (٢٦٢٤) عن عائشة.
(٣) يعني قوله ﷺ: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» الحديث. أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) عن أبي هريرة ﵁.
(٤) في ع قُدِّم «الجوار» على «الإسلام».
(٥) لم أقف عليه من كلام الإمام أحمد، ولكن روي نحوه من حديث جابر وابن عمر مرفوعًا. قال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (١/ ٦٧٥): «وكلاهما ضعيف».