إعلام الموقعين

الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وكقول ابن مسعود: «إنما العالم الذي يخشى الله»١.

فصل

وأما ربا الفضل، فتحريمه من باب سدّ الذرائع، كما صرِّح به في حديث أبي سعيد الخدري٢ عن النبي ﷺ: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرَّماءَ»٣. والرَّماء هو الربا.

  1. (١) لم أره عنه مسندًا، وعلّق ابن عبد البر عنه نحوَه في «جامع بيان العلم» (١٢٢١)، وورد هذا عن غير واحد، منهم: مجاهد بن جبر، أسنده عنه حمزة السهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٤٧٤). وجاء نحوه من كلام الحسن البصري عند الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٤١) بسندٍ واهٍ، والمحفوظ عنه بلفظٍ آخرَ مشهورٍ، ليس هذا موضعَ ذكرِه.
    ويُنظر: «الفوائد» لتمّامٍ الرازي (٧٦٤)، و«حلية الأولياء» لأبي نعيم (٣/ ٦٧)، و«ما رواه الأكابر عن مالك» لمحمد بن مخلد (٤٦)، و«المسند الصحيح» لابن حبان (٤٨٧٩).
  2. (٢) وقع في «جامع المسائل» (٨/ ٢٨٢): «في «المسند» مرفوعًا ... من حديث سعد».
  3. (٣) الطرف الأول من الحديث ثابتٌ معناه من حديث أبي سعيد وغيره، في الصحيحين وغيرهما، لكن طرفه الثاني لا يصح مرفوعًا. وقد رواه سعيد بن منصور ــ ومن طريقه الخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل» (١/ ٢٢٥ ط. دار ابن الجوزي) ــ (بمعناه) عن أبي معشر، عن نافع، عن أبي سعيد مرفوعًا! وقد غلط أبو معشر (نجيحٌ السندي)؛ فأدرج الموقوف في الحديث المرفوع. وتابعه ليث بن أبي سُليم (وهو ضعيفٌ مُخَلِّطٌ)، ومن طريقه رواه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (١٠٧٤ - مسند عمر). وليُنظر ما دبّجتْه يراعةُ الخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل» (١/ ٢٢٥ - ٢٣٩)؛ فإنه فائقٌ رائقٌ.
476

فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة. وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يُفعَل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين ــ إما في الجودة، وإما في السِّكَّة١، وإما في الثقل والخفَّة، وغير ذلك ــ تذرَّعُوا بالربح المعجَّل فيها إلى الربح المؤخَّر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدًّا. فمن حكمة الشارع أن سدَّ عليهم هذه الذريعة، ومنَعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئةً. فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول، وهي تسُدُّ عليهم باب المفسدة.

فإذا تبيَّن هذا فنقول: الشارع نصَّ على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح. فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها. فطائفة قصَرت [٣٣٣/ب] التحريمَ عليها، وأقدَمُ مَن يُروى عنه هذا قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنَّفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القيَّاسين٢ في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس.

وطائفة حرَّمته في كلِّ مكيل وموزون بجنسه. وهذا مذهب عمار٣

  1. (١) يعني: في صفة الصياغة وطريقتها.
  2. (٢) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، وقد سبق له نظائر. وفي «جامع المسائل» (٨/ ٢٨٥): «القياس».
  3. (٣) رواه ابن أبي شيبة (٢٠٨٠٠)، والطحاوي في «بيان المشكل» (٣/ ٣٣٨) من طريق رِيَاحِ بن الحارث عنه، وسندُه جيِّدٌ.
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي