لما فيها من المصلحة الراجحة الموافقة لمقصود الجهاد. [٣٤١/ب] وحرَّم عليهم كلَّ ذي ناب من السباع ومِخلَبٍ من الطير، وعوَّضهم عن ذلك بسائر أنواع الوحوش والطير على اختلاف أجناسها وأنواعها. وبالجملة فما حرَّم عليهم خبيثًا ولا ضارًّا إلا أباح لهم طيّبًا بإزائه أنفعَ لهم منه. ولا أمرَهم بأمرٍ إلا وأعانهم عليه، فوَسِعَتهم رحمتُه، ووَسِعَهم تكليفُه.
والمقصود: أنه أباح للنساء ــ لضعف عقولهن وقلة صبرهن ــ الإحدادَ على موتاهن ثلاثة أيام. وأما الإحداد على الأزواج١، فإنه تابع للعِدَّة وهو من مقتضياتها ومكمِّلاتها، فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزيُّن والتجمُّل والتعطُّر، لتتحبَّب إلى زوجها، وتردَّ٢ نفسَه، ويحسن ما بينهما من العشرة. فإذا مات الزوج، واعتدَّت منه، وهي لم تصل إلى زوج آخر= فاقتضى تمامُ حقِّ الأول وتأكيدُ المنع من الثاني قبل بلوغ الكتابِ أجلَه أن تُمنَع مما تصنعه النساء لأزواجهن؛ مع ما في ذلك من سدِّ الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيُّب. فإذا بلغ الكتابُ أجلَه صارت محتاجةً إلى ما يرغِّب في نكاحها، فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج. فلا شيءَ أبلغُ في الحسن من هذا المنع والإباحة، ولو اقترحت عقولُ
(١) ت، ع: «الزوج».
(٢) في المطبوع بعده زيادة: «لها».
العالمين لم تقترح شيئًا أحسنَ منه١.
فصل
وأما قوله: «وسوَّى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود، وجعلها على النصف منه في الدية والشهادة والميراث والعقيقة»، فهذا أيضًا من كمال شريعته٢ وحكمتها ولطفها. [٣٤٢/أ] فإنَّ مصلحةَ العبادات البدنية ومصلحةَ العقوبات، الرجالُ والنساءُ مشتركون فيها، وحاجة أحد الصنفين إليها كحاجة الصنف الآخر، فلا يليق التفريق بينهما. نعم، فرَّقت بينهما في أليق المواضع بالتفريق وهو الجمعة والجماعة، فخُصَّ وجوبُهما بالرجال دون النساء لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال؛ وكذلك فُرِّق٣ بينهما في عبادة الجهاد التي ليس الإناث من أهلها. وسوَّت بينهما في وجوب الحج لاحتياج النوعين إلى مصلحته، وفي وجوب الزكاة والصيام والطهارة.
وأما الشهادة فإنما جُعِلت المرأة فيها على النصف من الرجل؛ لحكمة أشار إليها العزيز الحكيم في كتابه، وهي أن المرأة ضعيفة العقل قليلة الضبط لما تحفظه. وقد فضَّل الله الرجال على النساء في العقول والفهم والحفظ والتمييز، فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل. وفي منع قبول شهادتها بالكلية إضاعةٌ لكثير من الحقوق وتعطيلٌ لها، فكان من أحسن الأمور وألصقها بالعقول، أن ضُمَّ إليها في قبول الشهادة نظيرُها لِتُذَكِّرها إذا
(١) هنا انتهى المجلد الأول من نسخة مكتبة الأوقاف العامة ببغداد (ع).