إعلام الموقعين

اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان، وتلقَّاها صافيةً من مشكاة النبوة، وأحكم العقدَ بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يَطمِسْ نورَ حقائقها ظلمةُ التأويل والتحريف.

فصل

وأما جمعُها بين الماء والتراب في التطهير، فلله ما أحسنه من جَمعٍ، وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة! وقد عقد الله سبحانه الإخاءَ بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا، فجمعهما الله ﷿، وخلَق منهما آدم وذريته، فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما؛ وجعل منهما حياةَ كلِّ حيوان، وأخرج منهما أقواتَ الدَّوابِّ والناس والأنعام. وكانا أعمَّ الأشياء وجودًا، وأسهلَها تناولًا. وكان تعفيرُ الوجه في التراب لله من أحبِّ الأشياء إليه. ولما كان عقدُ هذه الأخوة بينهما قدرًا أحكمَ عَقْدٍ وأقواه كان عقدُ الأخوة بينهما شرعًا أحسنَ عَقْدٍ وأصحَّه. ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٣٦ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ [٣٤٦/ب] فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٦].

فصل

فهذا ما يتعلَّق بقول أمير المؤمنين ﵁: «واعرف الأشباه والنظائر»، وفي لفظ: «واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحق».

فلنرجع إلى شرح باقي كتابه.

ثم قال: «وإياك والغضب، والقلق١، والضجر، والتأذِّيَ بالناس،

  1. (١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والرواية الأخرى: «الغلق» بالغين. انظر: «مصنف عبد الرزاق» (٢٠٦٧٦) و«الكامل» للمبرّد (١/ ٢٥) وفسَّره بضيق الصدر وقلة الصبر. وانظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٨٠).
506

والتنكُّرَ عند الخصومة، أو الخصوم ــ شكَّ أبو عبيد ــ فإن القضاء في مواطن الحقِّ مما يُوجِب الله به الأجر، ويُحسِن به الذخر».

هذا١ الكلام تضمَّنَ٢ أمرين:

أحدهما: التحذير مما يحول بين الحاكم وبين كمال معرفته بالحق، وتجريد قصده له؛ فإنه لا يكون خير الأقسام الثلاثة إلا باجتماع هذين الأمرين فيه. والغضبُ والقلق والضجر مضادٌّ لهما، فإن الغضب غُول العقل يغتاله كما تغتاله الخمر.

ولهذا نهى النبيُّ ﷺ أن يقضيَ القاضي بين اثنينِ وهو غضبانُ٣.

والغضب نوع من الغلق والإغلاق الذي يُغلِق على صاحبه بابَ حسن التصور والقصد. وقد نصَّ أحمد على ذلك في رواية حنبل، وترجم عليه أبو بكر في كتابيه «الشافي» و«زاد المسافر»، وعقَد له بابًا، فقال في كتاب «الزاد»: باب النية في الطلاق وذكر الإغلاق. قال أبو عبد الله في رواية حنبل٤: عن عائشة سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا طَلاقَ ولا عَتاق في إِغْلاقٍ»٥ فهذا

  1. (١) ت: «وهذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  2. (٢) ت، ع: «يتضمن»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  3. (٣) تقدم تخريجه.
  4. (٤) سينقلها المؤلف مرتين في هذا الكتاب. وانظر: «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» (ص ٦ - ٧) و«زاد المعاد» (٥/ ١٩٥).
  5. (٥) رواه أحمد (٢٦٣٦٠)، وابن ماجه (٢٠٤٦) من حديث عائشة ﵂، وعند أبي داود (٢١٩٣) بلفظ (في غلاق)، إسناده ضعيف؛ لأن محمد بن عبيد بن أبي صالح متكلم فيه، وللحديث شواهد يرتقي بها إلى الحسن. انظر: «صحيح أبي داود ــ الأم» (٦/ ٣٩٦).
507

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي