يا ربيعةُ، أراك تُفتي الناسَ، فإذا جاءك الرجلُ يسألُك فلا يكنْ همُّك أن تتخلَّصَ مما سألك عنه١.
وكان ابن المسيِّب لا يكاد يفتي إلا قال: اللهم سلِّمني وسلِّم مني٢.
وقال مالك: ما أجبتُ في الفتوى حتى سألتُ من هو أعلمُ مني: هل تراني موضعًا لذلك؟ سألتُ ربيعةَ، وسألت يحيى بن سعيدٍ، فأمراني٣ بذلك، فقيل له: يا أبا عبد الله فلو نَهَوك؟ قال: كنتُ٤ أَنتهِي٥.
وقال ابن عباس لمولاه عكرمة: اذهبْ فأفْتِ٦ الناس وأنا لك عونٌ، فمن سألك عما يَعنيه فأفْتهِ، ومن سألك عما لا يَعْنيه فلا تُفْتِه، فإنك تطرح
(١) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٣) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧) ومن طريقه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٥٨) وابن الجوزي في «تعظيم الفتيا» (٥٦). ورواه أيضًا ابن بطة في «إبطال الحيل» (١٢٣).
(٢) أورده البيهقي في «المدخل» بدون إسناد (٨٢٤)، ورواه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٥١١) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/ ٤٧٧).
(٣) ع: «فأمرني».
(٤) ت: «لست» تحريف.
(٥) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣١٦) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٢٥) وابن الجوزي من طريقه في «تعظيم الفتيا» (٥٠).
(٦) ت: «فافتى».
عن نفسِك ثُلثَي مُؤنةِ الناسِ١.
وكان أيوب إذا سأله السائل قال له: أَعِدْ، فإنْ أعادَ السؤالَ [٣/أ] كما سأله٢ عنه أولًا أجابه، وإلا لم يُجِبْه٣.
وهذا من فهمه وفطنته ﵀، وفي ذلك فوائد عديدة:
منها: أن المسألة تزداد وضوحًا وبيانًا بتفهُّم السؤال.
ومنها: أن السائل لعلّه أهملَ فيها أمرًا يتغيَّر به الحكم، فإذا أعادها ربَّما بيَّنه٤ له.
ومنها: أن المسؤول قد يكون ذاهلًا عند السؤال أولًا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك.
ومنها: أنه ربَّما بان له تعنُّتُ السائل وأنه وضع المسألة؛ فإذا غيَّر السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقةَ لها، وأنها من الأُغلوطات أو غيرِ الواقعات التي لا يجب الجواب عنها؛ فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند الضرورة، فإذا وقعت المسألة صارت حالَ ضرورةٍ، فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب، والله أعلم.
(١) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٦) وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٢٧)، وأورده ابن عبد البر في «التمهيد» بدون إسناد (٢/ ٣١).
(٢) ع: «سأل».
(٣) رواه البيهقي في «المدخل» (٨٢٧)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/ ٢٤٧)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٢٣٤).