إعلام الموقعين

ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يَسُوْغ١ من غير إيجاب

فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع:

أحدها: الإعراض عما أنزل الله، وعدمُ الالتفات إليه اكتفاءً بتقليد الآباء.

الثاني: تقليد من لا يعلم المقلِّد أنه أهلُ أن يؤخذَ بقوله.

الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهورِ الدليل على خلاف قول المقلَّد. والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلَّد قبل تمكُّنه٢ من العلم والحجة، وهذا قلَّد بعد ظهور الحجة له؛ فهو أولى بالذمّ ومعصيةِ الله ورسوله.

وقد ذمَّ الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من٣ كتابه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا٤ عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ٥ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ

  1. (١) ت: «يجب إليه المصير مما يسوغ».
  2. (٢) ت: «تمكينه».
  3. (٣) ت: «في».
  4. (٤) في النسخ: «وجدنا».
  5. (٥) «من قبلك» ساقطة من النسخ.
12

جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]، [٣/ب] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ١ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] وهذا في القرآن كثير، يَذمُّ فيه من أعرضَ عما أنزله وقنعَ بتقليد الآباء.

فإن قيل: إنما ذَمّ من قلّد الكفّار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ولم يَذمَّ من قلَّد العلماءَ المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر، وهم٢ أهل العلم، وذلك تقليدٌ لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وهذا أمرٌ لمن لا يعلم بتقليد من يعلم.

فالجواب أنه سبحانه ذمَّ من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق٣ السلف والأئمة الأربعة على ذمّه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جُهدَه في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلَّد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ٤ إن شاء الله.

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والتقليد ليس بعلمٍ باتفاق أهل العلم كما سيأتي. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا

  1. (١) في النسخ: «حسبنا». وهي في المائدة: ١٠٤ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. وقد جُعِلت هكذا في هامش د والنسخ المطبوعة، خلافًا للأصول.
  2. (٢) «هم» ساقطة من ت.
  3. (٣) بعدها زيادة «عليه» في ع.
  4. (٤) لم يأتِ لهما ذكر فيما بعد.
13

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي