إعلام الموقعين

وقال وكيع: ثنا سفيان والأعمش جميعًا عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البَخْتري قال: قيل لحذيفةَ في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يُحِلُّون لهم الحرامَ فيحِلُّونه، ويحرِّمون عليهم الحلالَ فيحرِّمونه١.

وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا [٥/أ] ... قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ٢٣ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، فمنعَهم الاقتداءُ بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤]. وفي هؤلاء ومثلهم قال الله ﷿: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ١٦٦ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧]. وقال تعالى عاتبًا٢ لأهل الكفر وذامًّا٣ لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ٥٢ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ٤﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٣]، وقال: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. ومثل هذا

  1. (١) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٨) والطبري (١١/ ٤١٩) وابن حزم في «الإحكام» (٦/ ١٨٠). وإسناده صحيح.
  2. (٢) ت: «عائبًا». وكذا في «جامع بيان العلم».
  3. (٣) ت: «وذما».
  4. (٤) في النسخ: «كذلك يفعلون». وهو غلط قديم في «جامع بيان العلم»، وهو المصدر الذي ينقل عنه المؤلف.
18

في القرآن كثير من ذَمِّ تقليد الآباء والرؤساء.

وقد احتجّ العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفرُ أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين١ بغير حجة للمقلِّد، كما لو قلَّد رجلًا فكفر، وقلَّد آخر فأذنبَ، وقلَّد آخر في مسألة فأخطأ وجهَها= كان كلُّ واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليدٌ يُشبِه٢ بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه. وقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].

قال٣: فإذا بطلَ التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة وما كان في معناهما بدليل جامع.

ثم ساق من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمالٍ ثلاثة»، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أخافُ عليهم زَلَّة العالم، ومن حكم جائرٍ، ومن هوًى متَّبَع»٤.

  1. (١) د: «المقلدين». والمثبت موافق لما في «الجامع».
  2. (٢) ت: «تشبيه».
  3. (٣) أي ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٩٧٧).
  4. (٤) رواه ابن عبد البر في «الجامع» (١٨٦٥) والبيهقي في «المدخل» (٨٣٠). ورواه أيضًا البزار (٣٣٨٤) والطبراني (١٤)، وفي إسناده كثير بن عبد الله المزني متكلم فيه، وبه ضعَّفه ابن عدي وابن مفلح والهيثمي. انظر: «الكامل» (٧/ ١٨٩)، و«الآداب الشرعية» (٢/ ٥٠)، و«مجمع الزوائد» (١/ ١٨٧).
19

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي